مدارج السالكين

على أمِّه"١. وكان في صلاته واشتغاله بالله وإقباله عليه، وهو يشعر بعائشة ﵂ إذا استفتحت الباب، فيمشي خطواتٍ يفتَحُ لها، ثمَّ يرجع إلى مصلَّاه٢. وذكر في صلاته تِبْرًا كان عنده، فصلّى، ثمّ قام مسرعًا فقَسَمه، وعاد إلى مجلسه٣. فلم تشغَلْه جمعيَّتُه العظمى ــ التي لا يُدرِكُ لها مَن بعدَه رائحةً ــ عن هذه الجزئيّات، صلواتُ الله وسلامُه عليه.

فصل

ومنهم من يتمكَّن الإيمانُ والعلمُ من قلبه٤، فإذا جاء الأمر قام إليه، وبادر بجمعيَّته. فإن صَحِبَتْه وإلَّا طرَحَها، وبادر إلى الأمر، وعلِمَ أنّه لا يسعُه غيرُ ذلك، وأنَّ الجمعيّةَ فضلٌ والأمرَ فرضٌ، ومَن ضيَّع الفروضَ للفضول حِيلَ بينه وبين الوصول. لكن إذا جاءت المندوباتُ ــ التي هي٥ محلُّ

  1. (١) أخرجه البخاري (٧٠٧) من حديث أبي قتادة ﵁.
  2. (٢) أخرجه أحمد (٢٤٠٢٧، ٢٥٩٧٢) وأبو داود (٩٢٢) والترمذي (٦٠٧) والنسائي في "الكبرى" (٥٢٨، ١١٣٠) وفي "المجتبى" (١٢٠٦) وابن حبان (٢٣٥٥) والبيهقي (٢/ ٢٦٥) وغيرهم من حديث أم المؤمنين عائشة ﵂، وفيه بُرْد بن سِنان، مختلف فيه وقد ضعَّفه علي ابن المديني وأبو حاتم في قول. وقد تفرد بهذا الحديث، ولم يتابَع إلا من طرق واهية. قال أبو حاتم لما سأله ابنه عن هذا الحديث كما في "العلل" (٤٦٧): "لم يروِ هذا الحديث أحد عن النبي ﷺ غير برد، وهو حديث منكر". وقال ابن رجب في "فتح الباري" (٦/ ٣٨٢ - دار ابن الجوزي): "واستنكره أبو حاتم والجوزجاني لتفرُّدِ بُردٍ به".
  3. (٣) أخرجه البخاري (٨٥١) من حديث عقبة بن الحارث ﵁.
  4. (٤) ش: "في قلبه".
  5. (٥) "التي هي" تحرَّف في الأصل وغيره إلى "أكثر من". وقد أُصلح في ل كما أثبت من ع، واقترحه بعضهم في هامش ش أيضًا.
388

الأرباحِ والمكاسبِ العظيمةِ والمصالحِ الرّاجحةِ، من عيادةِ المريض، واتِّباعِ الجنازة١، والجهادِ المستحبِّ، وطلبِ العلم النّافع، والخِلْطة التي ينتفع بها وينفع غيرَه ــ لم يُؤْثِرْها على جمعيَّته إذا رأى٢ جمعيَّتَه خيرًا له وأنفع منها، فهذا غيرُ آثمٍ ولا مفرِّطٍ، إلّا إذا تركها رغبةً عنها بالكلِّيّة، واستبدالًا بالجمعيَّة، فهذا ناقصٌ. أمّا إذا قام بها أحيانًا وتركها أحيانًا لاشتغاله بجمعيّته٣، فهذا غير مذمومٍ. بل هذا حقيقة الاعتكاف المشروع، وهو جمعيّةُ العبد على ربِّه وخلوتُه به.

وكان النبيُّ ﷺ يحتجر بحصيرٍ٤ في المسجد في اعتكافه٥، يخلو به مع ربِّه ﷿، ولم يشتغِلْ بتعليم الصَّحابة وتذكيرهم في تلك الحال. ولهذا كان المشهور من مذهب أحمد وغيره أنّه لا يُستحَبُّ للمعتكِف إقراءُ القرآن والعلم، وخلوتُه للذِّكر والعبادة أفضَلُ له. واحتجُّوا بفعل النّبيِّ ﷺ٦.

  1. (١) ش: "الجنائز".
  2. (٢) ما عدا ع: "ورأى".
  3. (٣) "ناقص أما ... بجمعيته" ساقط من ش لانتقال النظر.
  4. (٤) أي يتخذه مثل الحجرة.
  5. (٥) انظر حديث عائشة وأنس ﵄ في "صحيح البخاري" (٧٣٠، ٧٣١)، وليس فيهما ذكر الاعتكاف. وانظر حديث أبي سعيد الخدري ﵁ في "صحيح مسلم" (١١٦٧) ذكر فيه اعتكافه ﷺ في قبَّة تركية على سدَّتها حصيرٌ.
  6. (٦) انظر: "المغني" (٤/ ٤٨٠ - ٤٨١).
389

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي