مدارج السالكين

الأرباحِ والمكاسبِ العظيمةِ والمصالحِ الرّاجحةِ، من عيادةِ المريض، واتِّباعِ الجنازة١، والجهادِ المستحبِّ، وطلبِ العلم النّافع، والخِلْطة التي ينتفع بها وينفع غيرَه ــ لم يُؤْثِرْها على جمعيَّته إذا رأى٢ جمعيَّتَه خيرًا له وأنفع منها، فهذا غيرُ آثمٍ ولا مفرِّطٍ، إلّا إذا تركها رغبةً عنها بالكلِّيّة، واستبدالًا بالجمعيَّة، فهذا ناقصٌ. أمّا إذا قام بها أحيانًا وتركها أحيانًا لاشتغاله بجمعيّته٣، فهذا غير مذمومٍ. بل هذا حقيقة الاعتكاف المشروع، وهو جمعيّةُ العبد على ربِّه وخلوتُه به.

وكان النبيُّ ﷺ يحتجر بحصيرٍ٤ في المسجد في اعتكافه٥، يخلو به مع ربِّه ﷿، ولم يشتغِلْ بتعليم الصَّحابة وتذكيرهم في تلك الحال. ولهذا كان المشهور من مذهب أحمد وغيره أنّه لا يُستحَبُّ للمعتكِف إقراءُ القرآن والعلم، وخلوتُه للذِّكر والعبادة أفضَلُ له. واحتجُّوا بفعل النّبيِّ ﷺ٦.

  1. (١) ش: "الجنائز".
  2. (٢) ما عدا ع: "ورأى".
  3. (٣) "ناقص أما ... بجمعيته" ساقط من ش لانتقال النظر.
  4. (٤) أي يتخذه مثل الحجرة.
  5. (٥) انظر حديث عائشة وأنس ﵄ في "صحيح البخاري" (٧٣٠، ٧٣١)، وليس فيهما ذكر الاعتكاف. وانظر حديث أبي سعيد الخدري ﵁ في "صحيح مسلم" (١١٦٧) ذكر فيه اعتكافه ﷺ في قبَّة تركية على سدَّتها حصيرٌ.
  6. (٦) انظر: "المغني" (٤/ ٤٨٠ - ٤٨١).
389

فصل

وأكمَلُ من هؤلاء مَن إذا جاءه تفرقةُ الأمر، ورآها أرجحَ من مصلحة الجمعيَّة، ولم يمكنه الجمعُ في التَّفرقة= اشترى الفاضلَ بالمفضول، والرّاجحَ بالمرجوح. فإذا كان المندوبُ مفضولًا مرجوحًا والجمعُ خيرًا منه اشتغلَ بالجمع عنه. فهذا أعلى الأقسام.

والرَّجلُ كلُّ الرَّجل١: مَن يردُّ من تفرقته على جمعه، ومن جمعه على تفرقته، فيقوِّي كلَّ واحدٍ منهما بالآخر، ولا يلقي الحربَ بينهما. فإذا جاءت تفرقةُ الأمر جدَّ فيها وقام بها مُمِدًّا بها لجمعيَّته مقوِّيًا لها بالأمر، وإذا٢ جاءت حالةُ الجمعيّة تقوَّى بها على تفرقة الأمر. فإذا تفرَّق تفرَّق لله ليجمعَه٣ عليه. وإذا جاءت الجمعيّةُ قال: أجتمع لأتقوَّى على أمر الله ورضاه، لا لمجرَّدِ حظِّي ولذّتي من هذه الجمعيَّة؛ فما أكثرَ من يغيبُ بحظِّه منها ولذّتها ونعيمها وطيبها، عن مراد الله منه!

فتدبَّر هذا الفصلَ، وأحِطْ به علمًا، فإنّه من قواعد السُّلوك والمعرفة. وكم قد زلَّت فيه من أقدامٍ، وضلَّت فيه من أفهامٍ! ومَن عرَفَ ما عند النَّاس، أو نهضَ من مدينة طبعه إلى السَّير إلى الله، عرَفَ مقداره. فمَن عرَفه عرَفَ مجامعَ الطُّرق ومَفْرَقَ الطُّرق التي تفرَّقت بالسَّالكين وأهل العلم والنَّظر. والله الموفِّق للصَّواب.

  1. (١) "كلُّ الرجل" ساقط من ج.
  2. (٢) ما عدا ع: "فإذا".
  3. (٣) في ع: "على تفرقة الأمر والبقاءِ به، فيرُدُّ من هذا على هذا، ومن هذا على هذا. فإذا جاءت تفرقة الأمر قال: أتفرَّق لله ليجمعني".
390

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي