وأكمَلُ من هؤلاء مَن إذا جاءه تفرقةُ الأمر، ورآها أرجحَ من مصلحة الجمعيَّة، ولم يمكنه الجمعُ في التَّفرقة= اشترى الفاضلَ بالمفضول، والرّاجحَ بالمرجوح. فإذا كان المندوبُ مفضولًا مرجوحًا والجمعُ خيرًا منه اشتغلَ بالجمع عنه. فهذا أعلى الأقسام.
والرَّجلُ كلُّ الرَّجل١: مَن يردُّ من تفرقته على جمعه، ومن جمعه على تفرقته، فيقوِّي كلَّ واحدٍ منهما بالآخر، ولا يلقي الحربَ بينهما. فإذا جاءت تفرقةُ الأمر جدَّ فيها وقام بها مُمِدًّا بها لجمعيَّته مقوِّيًا لها بالأمر، وإذا٢ جاءت حالةُ الجمعيّة تقوَّى بها على تفرقة الأمر. فإذا تفرَّق تفرَّق لله ليجمعَه٣ عليه. وإذا جاءت الجمعيّةُ قال: أجتمع لأتقوَّى على أمر الله ورضاه، لا لمجرَّدِ حظِّي ولذّتي من هذه الجمعيَّة؛ فما أكثرَ من يغيبُ بحظِّه منها ولذّتها ونعيمها وطيبها، عن مراد الله منه!
فتدبَّر هذا الفصلَ، وأحِطْ به علمًا، فإنّه من قواعد السُّلوك والمعرفة. وكم قد زلَّت فيه من أقدامٍ، وضلَّت فيه من أفهامٍ! ومَن عرَفَ ما عند النَّاس، أو نهضَ من مدينة طبعه إلى السَّير إلى الله، عرَفَ مقداره. فمَن عرَفه عرَفَ مجامعَ الطُّرق ومَفْرَقَ الطُّرق التي تفرَّقت بالسَّالكين وأهل العلم والنَّظر. والله الموفِّق للصَّواب.
(١) "كلُّ الرجل" ساقط من ج.
(٢) ما عدا ع: "فإذا".
(٣) في ع: "على تفرقة الأمر والبقاءِ به، فيرُدُّ من هذا على هذا، ومن هذا على هذا. فإذا جاءت تفرقة الأمر قال: أتفرَّق لله ليجمعني".
فصل
وأصلُ ذلك كلِّه هو: الفرقُ بين محبَّة الله ورضاه، ومشيئته وإرادته الكونيَّة. وإنَّ منشأَ الضَّلالِ في هذا الباب من التَّسوية بينهما أو اعتقادِ تلازمهما، فسوَّى بينهما الجبريّةُ والقدريّةُ، وقالوا: المشيئةُ والمحبَّةُ سواءٌ أو متلازمان. ثم اختلفوا:
فقالت الجبريّة: والكون كلُّه: قضاؤه وقدرُه، طاعاتُه ومعاصيه، خيرُه وشرُّه= فهو محبوبه. ثمّ من تعبَّد منهم وسلك على هذا الاعتقاد رأى أنَّ الأفعالَ جميعَها محبوبةٌ للرّبِّ، إذ هي صادرةٌ عن مشيئته، وهي عينُ محبّته ورضاه؛ وفني في هذا الشُّهود الذي كان اعتقادًا، ثمَّ صار مشهدًا. فلزم من ذلك ما تقدَّم من أنّه لا يستقبح سيِّئةً ولا يُنكِر منكرًا، وتلك اللّوازمُ الباطلةُ المنافيةُ للشّرائع جملةً.
ولمّا ورد على هؤلاء قوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾[البقرة: ٢٠٥]، ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾[الزمر: ٧]، وقولُه: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئَةٌ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾١[الإسراء: ٣٨] واعتاصَ عليهم كيف يكون مكروهًا له، وقد أراد كونَه؟ وكيف لا يحبُّه، وقد أراد وجودَه؟ أوَّلوا هذه الآياتِ ونحوَها بأنّه لا يحبُّها دينًا ولا يرضاها شرعًا، ويكرهها كذلك، بمعنى أنّه لا يشرعها، مع كونه يحبُّ وجودَها ويريدُه.
فشهدوا في مقام الفناء كونَها محبوبةَ الوجود، ورأوا أنَّ المحبَّةَ تقتضي موافقةَ المحبوب فيما يحبُّه، والكونُ كلُّه محبوبُه، فأحبُّوا ــ بزعمهم ــ جميعَ
(١) "سيِّئةً" قراءة أبي عمرو ونافع وابن كثير. وقرأ الباقون: "سيِّئُه".