ما في الكون، وكذبوا وتناقضوا! فإنّما أحبُّوا ما تهواه نفوسُهم وإرادتُهم، فإذا جاء في الكون ما لا يلائم أحدَهم ويكرهه طبعُه أبغَضَه ونفَر منه وكرِهَه، مع كونه مرادًا للمحبوب، فأين الموافقة؟ وإنّما وافقوا أهواءهم وإراداتهم!
ثمّ بنَوا على ذلك أنّهم مأمورون بالرِّضا بالقضاء، وهذه قضاؤه، فنحن نرضى بها، فما لنا ولإنكارها ومعاداة فاعلها، ونحن مأمورون بالرِّضا بالقضاء؟ فتركَّب لاعتقادهم كونَها محبوبةً للرَّبِّ، وكونَهم مأمورين١ بالرِّضا بها: التّسويةُ بين الأفعال، وعدمُ استقباح شيءٍ منها أو إنكارِه.
وانضاف إلى ذلك اعتقادُهم جبرَ العبد عليها، وأنّها ليست فعله، فلزم عن ذلك٢ رفعُ الأمر والنّهي، وطيُّ بساط الشَّرع، والاستسلامُ للقدَر، والذَّهابُ معه حيث كان. وصارت لهم هذه العقائد مشاهدَ، وكلُّ أحدٍ إذا ارتاض وصفا باطنُه تجلّى له فيه صورةُ معتقده، فهو يشاهدها٣ بقلبه، فيظنُّها حقًّا! فهذا حال هذه الطّائفة.
وقالت القدريَّةُ النُّفاةُ: ليست المعاصي محبوبةً لله ولا مرضيّةً، فليست مقدّرةً له ولا مقضِيّةً، فهي خارجةٌ عن مشيئته وخلقه.
قالوا: ونحن مأمورون بالرِّضا بالقضاء، ومأمورون بسخط هذه الأفعال وبغضها وكراهتها، فليست إذن بقضاء الله، إذ الرِّضا والقضاء متلازمان، كما
(١) في جميع النسخ: "مأمورون" كأنَّ ناسخ أصلها انتقل بصره إلى لفظ "مأمورون" السابق!
(٢) ع: "من ذلك".
(٣) ما عدا ع: "يشاهده" يعني: معتقده.
أنَّ محبّته ومشيئته متلازمان أو متَّحدان.
فهؤلاء١ لا يجيء من سالكيهم وعُبَّادهم ما جاء من سالكي الجبريَّة وعُبَّادهم البتّة، لمنافاة عقائدهم لمشاهد أولئك وعقائدهم. بل غايتُهم التَّعبُّدُ والورَعُ، وهم في تعظيم الذُّنوب والمعاصي خيرٌ من أولئك، وأولئك قد يكونون أقوى حالًا وتأثيرًا منهم.
فمنشأُ الغلط: التّسويةُ بين المشيئة والمحبّة، واعتقادُهم وجوبَ الرِّضا بالقضاء. ونحن نبيِّن ما في الفصلين٢.
فصل
فأمّا المشيئة والمحبّة، فقد دلَّ على الفرق بينهما القرآنُ والسُّنَّةُ والعقلُ والفطرةُ وإجماعُ المسلمين.
قال الله تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾[النساء: ١٠٨]. فقد أخبر أنّه لا يرضى بما يبيِّتونه من القول المتضمِّن للبَهْتِ ورميِ البريء، وشهادةِ الزُّور، وبراءةِ الجاني؛ فإنَّ الآيةَ نزلت في قصّةٍ هذا شأنها٣، مع أنَّ ذلك كلَّه بمشيئته، إذ أجمع المسلمون على أنّه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. ولم يخالف في ذلك إلّا القدريّةُ المجوسيّةُ الذين يقولون: يشاء ما لا يكون، ويكون ما لا يشاء.
(١) ع: "وهؤلاء".
(٢) بعده في ع زيادة: " إن شاء الله تعالى، فإنَّ القوَّةَ لله جميعًا".