وكان من دعاء النّبيِّ ﷺ: "اللهمّ إنِّي أعوذُ برضاك من سَخَطِك، وأعوذُ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذُ بك منك"١.
فتأمَّلْ ذكرَ استعاذته ﷺ بصفة الرِّضا من صفة السَّخَط، وبفعل المعافاة من فعل العقوبة فالأوّلُ٢ للصِّفة، والثّاني لأثرها المرتَّبِ٣ عليها. ثمّ ربَطَ ذلك كلَّه بذاته سبحانه، وأنَّ ذلك كلَّه راجعٌ إليه وحده، لا إلى غيره. فما أعوذُ منه واقعٌ بمشيئتك وإرادتك، وما أعوذ به من رضاك ومعافاتك هو بمشيئتك وإرادتك، إن شئتَ أن ترضى عن عبدك وتُعافيه، وإن شئتَ أن تغضبَ عليه وتعاقبَه. فإعاذتي ممّا أكره وأحذر، ومنعُه أن يحِلَّ بي هو بمشيئتك أيضًا، فالمحبوبُ والمكروهُ كلُّه بقضائك ومشيئتك. فعياذي بك منك: عياذي بحولك وقوّتك وقدرتك ورحمتك وإحسانك، ممَّا يكون بحولك وقوَّتك وقدرتك وعدلك وحكمتك. فلا أستعيذ بغيرك من غيرك، ولا أستعيذ بك من شيءٍ٤ صادرٍ عن غير مشيئتك٥، بل هو منك، ولا أستعيذ بغيرك من شيءٍ هو صادرٌ عن مشيئتك وقضائك، بل أنت الذي تُعيذني بمشيئتك ممّا هو كائنٌ بمشيئتك= فأعوذ بك منك. فلا يعلم ما في هذه الكلمات من التّوحيد والمعارف والعبوديّة إلّا الرّاسخون في العلم بالله ومعرفته ومعرفة عبوديّته٦.
(١) أخرجه مسلم (٤٨٦) من حديث عائشة ﵂.
(٢) ما عدا ع: "فالأولى"، يعني الاستعاذة، والمصدر يذكَّر ويؤنث.
(٣) ش، ع: "المترتب".
(٤) في هامش ع بعده: "هو" مع علامة صح، يعني: هو صادرٌ.
(٥) بعده في ع زيادة: "وخلقك".
(٦) وانظر في شرح الحديث: الباب السادس والعشرين من "شفاء العليل" (ص ٢٧٢ - ٢٧٣) و"طريق الهجرتين" (١/ ٥٧ - ٥٨)، (٢/ ٦٢٦ - ٦٢٧).
وأشرنا إلى شيءٍ يسيرٍ من معناها، ولو استُقْصيَ شرحُها لقام منه سِفْرٌ ضخمٌ. ولكن قد فُتِحَ لك البابُ، فإن دخلتَه رأيتَ ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطَر على قلب بشرٍ.
والمقصود: أنَّ انقسامَ الكون في أعيانه وصفاته وأفعاله١ إلى محبوبٍ للرَّبِّ مرضيٍّ له، ومسخوطٍ مبغوضٍ له مكروهٍ له= أمرٌ معلومٌ بجميع أنواع الأدلَّة من العقل والنَّقل٢ والفطرة والاعتبار. فمن سوَّى بين ذلك كلِّه فقد خالف فطرةَ الله التي فطَر عليها عبادَه، وخالفَ المعقول والمنقول، وخرج عمّا جاءت به الرُّسل.
ولأيِّ شيءٍ نوَّعَ سبحانه العقوباتِ البليغةَ في الدُّنيا والآخرة، وأشهَدَ عبادَه منها ما أشهَدَهم، لولا شدَّةُ غضَبه وسخَطه على الفاعلين لِما اشتدَّتْ كراهتُه وبغضُه له، فأوجبت تلك الكراهةُ والبغضُ منه وقوعَ أنواع المكاره بهم! كما أنَّ محبَّتَه لما يحبُّه من الأفعال ويرضاه أوجبت٣ وقوعَ أنواع المحابِّ لمن فعَلَه.
وشهودُ ما في العالم من إكرامِ أوليائه وإتمامِ نعمه عليهم ونصرِهم وإعزازِهم، وإهانةِ أعدائه وعقوبتِهم وإيقاعِ المكاره بهم= من أدلِّ الدَّليل على حبِّه وبغضه وكراهيته. بل نفسُ موالاته لمن والاه ومعاداتُه لمن عاداه هي عينُ محبّته وبغضه، فإنَّ الموالاةَ أصلُها الحبُّ، والمعاداةَ أصلُها البغضُ؛ فإنكارُ صفة المحبّة والكراهة إنكارٌ لحقيقة الموالاة والمعاداة.
(١) "وأفعاله" ساقط من ج، ش.
(٢) ش: "النقل والعقل".
(٣) ما عدا ع: "أوجب"، والمصدر يذكر ويؤنث كما مرَّ آنفًا.