مدارج السالكين

وأشرنا إلى شيءٍ يسيرٍ من معناها، ولو استُقْصيَ شرحُها لقام منه سِفْرٌ ضخمٌ. ولكن قد فُتِحَ لك البابُ، فإن دخلتَه رأيتَ ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطَر على قلب بشرٍ.

والمقصود: أنَّ انقسامَ الكون في أعيانه وصفاته وأفعاله١ إلى محبوبٍ للرَّبِّ مرضيٍّ له، ومسخوطٍ مبغوضٍ له مكروهٍ له= أمرٌ معلومٌ بجميع أنواع الأدلَّة من العقل والنَّقل٢ والفطرة والاعتبار. فمن سوَّى بين ذلك كلِّه فقد خالف فطرةَ الله التي فطَر عليها عبادَه، وخالفَ المعقول والمنقول، وخرج عمّا جاءت به الرُّسل.

ولأيِّ شيءٍ نوَّعَ سبحانه العقوباتِ البليغةَ في الدُّنيا والآخرة، وأشهَدَ عبادَه منها ما أشهَدَهم، لولا شدَّةُ غضَبه وسخَطه على الفاعلين لِما اشتدَّتْ كراهتُه وبغضُه له، فأوجبت تلك الكراهةُ والبغضُ منه وقوعَ أنواع المكاره بهم! كما أنَّ محبَّتَه لما يحبُّه من الأفعال ويرضاه أوجبت٣ وقوعَ أنواع المحابِّ لمن فعَلَه.

وشهودُ ما في العالم من إكرامِ أوليائه وإتمامِ نعمه عليهم ونصرِهم وإعزازِهم، وإهانةِ أعدائه وعقوبتِهم وإيقاعِ المكاره بهم= من أدلِّ الدَّليل على حبِّه وبغضه وكراهيته. بل نفسُ موالاته لمن والاه ومعاداتُه لمن عاداه هي عينُ محبّته وبغضه، فإنَّ الموالاةَ أصلُها الحبُّ، والمعاداةَ أصلُها البغضُ؛ فإنكارُ صفة المحبّة والكراهة إنكارٌ لحقيقة الموالاة والمعاداة.

  1. (١) "وأفعاله" ساقط من ج، ش.
  2. (٢) ش: "النقل والعقل".
  3. (٣) ما عدا ع: "أوجب"، والمصدر يذكر ويؤنث كما مرَّ آنفًا.
397

وبالجملة، فشهودُ القلوب لمحبّته وكراهيته كشهود العِيان لكرامته وإهانته.

فصل

وأمّا حديث الرِّضا بالقضاء:

فيقال أولًا: بأيِّ كتابٍ أم بأيِّ سنّةٍ أم بأيِّ معقولٍ علمتم وجوبَ الرِّضا بكلِّ ما يقضيه ويقدِّره، بل جواز ذلك، فضلًا عن وجوبه؟ هذا كتابُ الله، وسنَّةُ رسوله ﷺ، وأدلّةُ المعقول١ = ليس في شيءٍ منها الأمرُ بذلك ولا إباحته.

بل من المقضيِّ ما يُرضى به، ومنه ما يُسْخَطُ ويُمْقَتُ. ولا يُرضَى٢ بكلِّ قضاءٍ، كما لا يرضى به القاضي لأقضيته سبحانه، بل من القضاء ما يُسْخَطُ٣، كما أنّ من الأعيان المقضيَّةِ ما يُغضَب عليه، ويُمقَت، ويُلْعَن ويُذَمُّ.

ويقال ثانيًا: هاهنا أمران: قضاءٌ وهو فعلٌ قائمٌ بذات الرَّبِّ تعالى، ومقضيٌّ وهو المفعول المنفصل عنه. فالقضاءُ خيرٌ كلُّه وعدلٌ وحكمةٌ، فيُرضى به كلِّه. والمقضيُّ قسمان: منه ما يُرضى به، ومنه ما لا يُرضى به. وهذا جوابُ من يقول: الفعلُ غيرُ المفعول، والقضاءُ غيرُ المقضيِّ. وأمّا من يقول: الفعلُ هو المفعول، والقضاءُ عينُ المقضيِّ، فلا يمكنه أن يجيب بهذا الجواب.

ويقال ثالثًا: القضاء له وجهان، أحدهما: تعلُّقه بالرّبِّ تعالى ونسبتُه إليه،

  1. (١) ما عدا ل، ج: "العقول".
  2. (٢) ع: "يسخطه ويمقته فلا يرضى".
  3. (٣) ج، ع: "يسخطه".
398

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي