فمن هذا الوجه يُرضى به كلِّه. والوجه الثّاني: تعلُّقُه بالعبد ونسبتُه إليه، فمن هذا الوجه ينقسم إلى ما يُرضى به، وإلى ما لا يُرضى به.
مثال ذلك: قتلُ النّفس مثلًا له اعتباران: فمن حيث قدَّره الله وقضاه وكتبَه وشاءه وجعله أجلًا للمقتول ونهايةً لعمره، نرضى به. ومن حيث صدَر من القاتل، وباشَره وكسَبه وأقدَم عليه باختياره، وعصى الله بفعله، نسخطه ولا نرضى به.
فهذه نهايةُ أقدام العالَم المُقرِّين بالنُّبوَّات في هذه المسألة، ومَفْرَقُ طرقهم، قد حصرتُ لك أقوالَهم ومآخذَهم وأصولَ تلك الأقوال، بحيث لا يشذُّ عنها شيءٌ١. وبالله التَّوفيق.
ولا تنكر الإطالة في هذا الموضع، فإنّه مزلَّةُ أقدام الخلق، وما نجا من معاطبه إلّا أهلُ البصائر والمعرفة بالله وصفاته وأمره.
فصل
ثمّ قال صاحب "المنازل"٢: (فتوبةُ العامّة للاستكثار من الطّاعة٣. وهو يدعو إلى جحود نعمة السَّتْر والإمهال، ورؤيةِ الحقِّ على الله، والاستغناءِ الذي هو عينُ الجبروت والتَّوثُّبُ على الله تعالى).
(١) أشار شيخ الإسلام في "منهاج السنة" (٣/ ٢٠٥) إلى "مصنَّف مفرد في الرضا بالقضاء" له، ولعله قصد القاعدة الواردة في "جامع المسائل" (٣/ ٢١٣ - ٢١٧) وهي ناقصة. وانظر: "الاستقامة" (٢/ ١٢٤ - ١٢٨) و"شفاء العليل" للمؤلف (ص ٢٧٨ - ٢٨٠).
(٢) "منازل السائرين" (ص ١١).
(٣) ع: "لاستكثار الطاعة".
"العامّة" عندهم: مَن عدا أربابَ الجمع والفناء، وإن كانوا أهلَ سلوكٍ وإرادةٍ وعلمٍ. هذا مرادُهم بالعامَّة، ويسمُّونهم "أهل الفَرْق" ويسمِّيهم غلاتُهم "المحجوبين"١.
ومراده: أنَّ توبتَهم مدخولةٌ عند الخواصِّ منقوصةٌ، فإنَّ توبتَهم تكون من استكثارهم ما٢ يأتون به من الحسنات والطّاعات، أي رؤيتِهم كثرتَها، وذلك يتضمَّن ثلاثة٣ مفاسد عند الخاصّة:
أحدها٤: أنّ حسناتهم التي يأتون بها سيِّئاتٌ بالنِّسبة إلى مقام الخاصَّة، فإنَّ حَسَناتِ الأبرار سيِّئاتُ المقرّبين٥، فهم محتاجون إلى التَّوبة من هذه الحسنات. ولغفلتهم باستكثارها عن عيوبها ورؤيتها وملاحظتها هم جاحدون نعمةَ الله في سَتْرها عليهم وإمهالهم، كسَتْره على أهل الذُّنوب الظّاهرة وإمهالهم، فهم وأهلُ الذُّنوب الظاهرة تحت سَتْره وإمهاله، لكنَّ أهلَ الذُّنوب مقرُّون بستره وإمهاله، وهؤلاء جاحدون لذلك، لأنّهم قد توفّرت هممُهم على الاستكثار من الحسنات، دون مطالعةِ عيب النّفس والعمل والتّفتيشِ على دسائسها، وأنّ الحاملَ لهم على استكثارها رؤيتُها والإعجابُ بها؛ ولو تفرَّغوا لتفتيشها، ومحاسبةِ النّفس عليها، والتّمييزِ بين ما فيها من الحظِّ والحقِّ، لشغَلَهم ذلك عن استكثارها.
(١) ج، م، ش: "المحجوبون"، وكذا كان في ق، ل ثم أصلح.
(٢) ع: "لما".
(٣) كذا في النسخ بتأنيث العدد.
(٤) كذا في النسخ بدلًا من "إحداها".
(٥) انظر كلام شيخ الإسلام على هذه المقولة في "جامع الرسائل" (١/ ٢٥١ - ٢٥٥).