"العامّة" عندهم: مَن عدا أربابَ الجمع والفناء، وإن كانوا أهلَ سلوكٍ وإرادةٍ وعلمٍ. هذا مرادُهم بالعامَّة، ويسمُّونهم "أهل الفَرْق" ويسمِّيهم غلاتُهم "المحجوبين"١.
ومراده: أنَّ توبتَهم مدخولةٌ عند الخواصِّ منقوصةٌ، فإنَّ توبتَهم تكون من استكثارهم ما٢ يأتون به من الحسنات والطّاعات، أي رؤيتِهم كثرتَها، وذلك يتضمَّن ثلاثة٣ مفاسد عند الخاصّة:
أحدها٤: أنّ حسناتهم التي يأتون بها سيِّئاتٌ بالنِّسبة إلى مقام الخاصَّة، فإنَّ حَسَناتِ الأبرار سيِّئاتُ المقرّبين٥، فهم محتاجون إلى التَّوبة من هذه الحسنات. ولغفلتهم باستكثارها عن عيوبها ورؤيتها وملاحظتها هم جاحدون نعمةَ الله في سَتْرها عليهم وإمهالهم، كسَتْره على أهل الذُّنوب الظّاهرة وإمهالهم، فهم وأهلُ الذُّنوب الظاهرة تحت سَتْره وإمهاله، لكنَّ أهلَ الذُّنوب مقرُّون بستره وإمهاله، وهؤلاء جاحدون لذلك، لأنّهم قد توفّرت هممُهم على الاستكثار من الحسنات، دون مطالعةِ عيب النّفس والعمل والتّفتيشِ على دسائسها، وأنّ الحاملَ لهم على استكثارها رؤيتُها والإعجابُ بها؛ ولو تفرَّغوا لتفتيشها، ومحاسبةِ النّفس عليها، والتّمييزِ بين ما فيها من الحظِّ والحقِّ، لشغَلَهم ذلك عن استكثارها.
(١) ج، م، ش: "المحجوبون"، وكذا كان في ق، ل ثم أصلح.
(٢) ع: "لما".
(٣) كذا في النسخ بتأنيث العدد.
(٤) كذا في النسخ بدلًا من "إحداها".
(٥) انظر كلام شيخ الإسلام على هذه المقولة في "جامع الرسائل" (١/ ٢٥١ - ٢٥٥).
ولأجل هذا، كان مَن عَدِمَ الحضورَ والمراقبةَ والجمعيَّةَ في العمل، خفَّ عليه واستكثَر منه، فكثُر في عينه، وصار بمنزلة العادة. فإذا أخذ نفسَه بتخليصه من الشّوائب وتنقيته من الكدَر١، وجمعيّةِ القلب والهمِّ على الله تعالى بكلِّيّته، وجَد له ثقلًا كالجبال، وقلَّ في عينه. ولكن إذا وجد حلاوتَه تسهَّلَ٢ عليه حملُ أثقاله، والقيامُ بأعبائه، والتّلذُّذُ والتّنعُّمُ به مع ثقله.
وإذا أردت فهمَ هذا القدر كما ينبغي، فانظر وقتَ أخذك في القراءة إذا أعرضتَ عن واجبها وتدبُّرها وتعقُّلها، وفهمِ ما أُريدَ بكلِّ آيةٍ، وحظِّك من الخطاب بها، وتنزيلِها على أدواء قلبك والتعبُّدِ بها= كيف تُدْرِجُ الختمةَ، أو أكثرَها أو ما قرأتَ منها بسهولةٍ وخفّةٍ مستكثرًا٣ من القراءة. فإذا ألزمتَ نفسَك بالتَّدبُّرِ ومعرفةِ المراد، والنّظرِ إلى ما يخصُّك منه٤ والتّعبُّدِ به، وتنزيلِ دوائه على أدواء قلبك والاستشفاءِ به= لم تكد تجوز السُّورةَ أو الآيةَ إلى غيرها. وكذلك إذا جمعتَ قلبك كلَّه على ركعتين وأعطيتَها٥ ما تقدر عليه من الحضور والخشوع والمراقبة، لم تكد تصلِّي غيرَها٦ إلّا بجهدٍ. فإذا خلا القلبُ من ذلك عدَدتَ الرّكعاتِ بلا حسابٍ!
فالاستكثارُ من الطّاعات دون مراعاة آفاتها وعيوبها ليتوبَ منها هي توبةُ
(١) في ع بعده زيادة: "وما في ذلك من شوك الرِّياء وشِبْرِق الإعجاب".