ولأجل هذا، كان مَن عَدِمَ الحضورَ والمراقبةَ والجمعيَّةَ في العمل، خفَّ عليه واستكثَر منه، فكثُر في عينه، وصار بمنزلة العادة. فإذا أخذ نفسَه بتخليصه من الشّوائب وتنقيته من الكدَر١، وجمعيّةِ القلب والهمِّ على الله تعالى بكلِّيّته، وجَد له ثقلًا كالجبال، وقلَّ في عينه. ولكن إذا وجد حلاوتَه تسهَّلَ٢ عليه حملُ أثقاله، والقيامُ بأعبائه، والتّلذُّذُ والتّنعُّمُ به مع ثقله.
وإذا أردت فهمَ هذا القدر كما ينبغي، فانظر وقتَ أخذك في القراءة إذا أعرضتَ عن واجبها وتدبُّرها وتعقُّلها، وفهمِ ما أُريدَ بكلِّ آيةٍ، وحظِّك من الخطاب بها، وتنزيلِها على أدواء قلبك والتعبُّدِ بها= كيف تُدْرِجُ الختمةَ، أو أكثرَها أو ما قرأتَ منها بسهولةٍ وخفّةٍ مستكثرًا٣ من القراءة. فإذا ألزمتَ نفسَك بالتَّدبُّرِ ومعرفةِ المراد، والنّظرِ إلى ما يخصُّك منه٤ والتّعبُّدِ به، وتنزيلِ دوائه على أدواء قلبك والاستشفاءِ به= لم تكد تجوز السُّورةَ أو الآيةَ إلى غيرها. وكذلك إذا جمعتَ قلبك كلَّه على ركعتين وأعطيتَها٥ ما تقدر عليه من الحضور والخشوع والمراقبة، لم تكد تصلِّي غيرَها٦ إلّا بجهدٍ. فإذا خلا القلبُ من ذلك عدَدتَ الرّكعاتِ بلا حسابٍ!
فالاستكثارُ من الطّاعات دون مراعاة آفاتها وعيوبها ليتوبَ منها هي توبةُ
(١) في ع بعده زيادة: "وما في ذلك من شوك الرِّياء وشِبْرِق الإعجاب".
(٢) ع: "سهل".
(٣) ع: "متكثرًا".
(٤) ش: "يحصل منك"، تحريف.
(٥) ع: "أعطيتهما".
(٦) ع: "غيرهما".
العامَّة.
المفسدة الثّانية: رؤيةُ فاعلها أنَّ له حقًّا على الله تعالى في مجازاته على تلك الحسنات بالجِنان والنَّعيم والرِّضوان. ولهذا كثرت في عينه، مع غفلته عن أنَّ أعماله ولو كانت أعمالَ الثَّقَلين لا تستقلُّ بدخول الجنَّة ولا بالنَّجاة من النّار، وأنّه لن ينجو أحدٌ البتّة من النَّار بعمله إلّا بعفو الله ورحمته.
الثّالثة: استشعارُهم الاستغناءَ عن مغفرة الله وعفوه، بما يشهدون من استحقاق المغفرة والثَّواب بحسناتهم وطاعاتهم؛ فإنَّ ظنَّهم أنَّ حصولَ النَّجاة والثَّواب بطاعتهم١، واستكثارَهم منها لذلك، وكثرتَها في عيونهم= إظهارٌ للاستغناء٢ عن مغفرة الله وعفوه، وذلك عينُ الجبروت والتّوثُّب على الله تعالى.
ولا ريبَ أنَّ مجرَّدَ القيام بأعمال الجوارح، من غير حضورٍ ولا مراقبةٍ ولا إقبالٍ على الله، قد يتضمَّن تلك المفاسدَ الثّلَاثَ٣ وغيرَها، مع أنّه قليلُ المنفعة كثيرُ المُؤْنة٤؛ فهو كالعمل على غير متابعة للآمِر٥ ولا إخلاصٍ للمعبود، فإنَّه وإن كثُر متعِبٌ غيرُ مفيدٍ. فهكذا العملُ الخارجيُّ القُشُوريُّ بمنزلة النُّخَالة الكثيرةِ المنظَر القليلةِ الفائدة، وإنَّ الله لا يكتبُ للعبد من
(١) ع: "طاعاتهم".
(٢) ما عدا ع: "وإظهار الاستغناء".
(٣) ج، م، ش، ع: "الثلاثة" كما مرَّ من قبل. وكذا كان في ق، ل ثم أصلح.