مدارج السالكين

العامَّة.

المفسدة الثّانية: رؤيةُ فاعلها أنَّ له حقًّا على الله تعالى في مجازاته على تلك الحسنات بالجِنان والنَّعيم والرِّضوان. ولهذا كثرت في عينه، مع غفلته عن أنَّ أعماله ولو كانت أعمالَ الثَّقَلين لا تستقلُّ بدخول الجنَّة ولا بالنَّجاة من النّار، وأنّه لن ينجو أحدٌ البتّة من النَّار بعمله إلّا بعفو الله ورحمته.

الثّالثة: استشعارُهم الاستغناءَ عن مغفرة الله وعفوه، بما يشهدون من استحقاق المغفرة والثَّواب بحسناتهم وطاعاتهم؛ فإنَّ ظنَّهم أنَّ حصولَ النَّجاة والثَّواب بطاعتهم١، واستكثارَهم منها لذلك، وكثرتَها في عيونهم= إظهارٌ للاستغناء٢ عن مغفرة الله وعفوه، وذلك عينُ الجبروت والتّوثُّب على الله تعالى.

ولا ريبَ أنَّ مجرَّدَ القيام بأعمال الجوارح، من غير حضورٍ ولا مراقبةٍ ولا إقبالٍ على الله، قد يتضمَّن تلك المفاسدَ الثّلَاثَ٣ وغيرَها، مع أنّه قليلُ المنفعة كثيرُ المُؤْنة٤؛ فهو كالعمل على غير متابعة للآمِر٥ ولا إخلاصٍ للمعبود، فإنَّه وإن كثُر متعِبٌ غيرُ مفيدٍ. فهكذا العملُ الخارجيُّ القُشُوريُّ بمنزلة النُّخَالة الكثيرةِ المنظَر القليلةِ الفائدة، وإنَّ الله لا يكتبُ للعبد من

  1. (١) ع: "طاعاتهم".
  2. (٢) ما عدا ع: "وإظهار الاستغناء".
  3. (٣) ج، م، ش، ع: "الثلاثة" كما مرَّ من قبل. وكذا كان في ق، ل ثم أصلح.
  4. (٤) بعده في ع زيادة: "دنيا وآخرة".
  5. (٥) كذا بالمدَّة في ل، ع.
402

صلاته إلّا ما عقَل منها١. وهكذا ينبغي أن يكون سائرُ الأعمال التي يؤمر بالحضور فيها والخشوع، كالطَّواف وأعمال المناسك ونحوها.

فإن انضاف إلى ذلك إحسانُ ظنِّه بها، واستكثارُها، وعدمُ التفاته إلى عيوبها ونقائصها والتّوبةِ إلى الله والاستغفارِ منها= جاءت تلك المفاسدُ التي ذكرها وما هو أكثر منها.

وقد ظنَّ بعضُ الشَّارحين لكلامه أنَّ مراده به٢: الإزراءُ بالاستكثار من الطَّاعات، وأنَّ مجرَّدَ الفناءِ والشُّهودِ والاستغراقِ في حضرة المراقبة خيرٌ منها وأنفعُ. وهذا باطلٌ وكذبٌ عليه وعلى الطّريقة والحقيقة.

ولا ريب أنَّ هذا طريقُ المنحرفين من السّالكين، وهو تعبُّدٌ بمراد العبد وحظِّه من الله تعالى، وتقديمٌ له على مراد الله ومحابِّه من العبد. فإنَّ للعبد حظًّا، وعليه حقًّا: فحقُّ الله عليه تنفيذُ أوامره والقيامُ بها، والاستكثارُ من طاعاته بحسب الإمكان، والاشتغالُ بمحاربة أعدائه ومجادلتهم، ولو فرَّق ذلك جمعيّتَه وشتَّتَ حضورَه. فهذا هو العبوديّة التي هي مراد الله وحقُّه.

وأمَّا الجمعيَّةُ والمراقبةُ، والاستغراقُ في الفناء، وتعطيلُ الحواسِّ والجوارح عن إرسالها في الطّاعات والاستكثار منها= فهذا مجرَّدُ حظِّ العبد ومراده. وهو - بلا شكٍّ - أنعَمُ وألذُّ وأطيَبُ من تفرقة الاستكثار من الطّاعات، لا سيَّما إذا شهدوا تفرقةَ المستكثرين منها، وقلَّةَ نَصيبهم من

  1. (١) كما تقدَّم من قول ابن عباس ﵄.
  2. (٢) ش: "بها".
403

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي