مدارج السالكين

صلاته إلّا ما عقَل منها١. وهكذا ينبغي أن يكون سائرُ الأعمال التي يؤمر بالحضور فيها والخشوع، كالطَّواف وأعمال المناسك ونحوها.

فإن انضاف إلى ذلك إحسانُ ظنِّه بها، واستكثارُها، وعدمُ التفاته إلى عيوبها ونقائصها والتّوبةِ إلى الله والاستغفارِ منها= جاءت تلك المفاسدُ التي ذكرها وما هو أكثر منها.

وقد ظنَّ بعضُ الشَّارحين لكلامه أنَّ مراده به٢: الإزراءُ بالاستكثار من الطَّاعات، وأنَّ مجرَّدَ الفناءِ والشُّهودِ والاستغراقِ في حضرة المراقبة خيرٌ منها وأنفعُ. وهذا باطلٌ وكذبٌ عليه وعلى الطّريقة والحقيقة.

ولا ريب أنَّ هذا طريقُ المنحرفين من السّالكين، وهو تعبُّدٌ بمراد العبد وحظِّه من الله تعالى، وتقديمٌ له على مراد الله ومحابِّه من العبد. فإنَّ للعبد حظًّا، وعليه حقًّا: فحقُّ الله عليه تنفيذُ أوامره والقيامُ بها، والاستكثارُ من طاعاته بحسب الإمكان، والاشتغالُ بمحاربة أعدائه ومجادلتهم، ولو فرَّق ذلك جمعيّتَه وشتَّتَ حضورَه. فهذا هو العبوديّة التي هي مراد الله وحقُّه.

وأمَّا الجمعيَّةُ والمراقبةُ، والاستغراقُ في الفناء، وتعطيلُ الحواسِّ والجوارح عن إرسالها في الطّاعات والاستكثار منها= فهذا مجرَّدُ حظِّ العبد ومراده. وهو - بلا شكٍّ - أنعَمُ وألذُّ وأطيَبُ من تفرقة الاستكثار من الطّاعات، لا سيَّما إذا شهدوا تفرقةَ المستكثرين منها، وقلَّةَ نَصيبهم من

  1. (١) كما تقدَّم من قول ابن عباس ﵄.
  2. (٢) ش: "بها".
403

الجمعيَّة، فإنّهم تشتدُّ نفرتُهم منهم، ويعيبون عليهم، ويُزْرُون بهم.

وقد يسمُّون مَن رأوه كثيرَ الصّلاة "ثقاقيلَ الحُصُر"١، ومن رأوه كثيرَ الطَّواف "حُمُرَ المَدار"٢، ونحو هذا.

وقد أخبرني من رأى ابن سبعين قاعدًا في طرف٣ المسجد الحرام، وهو يسخَر من الطائفين ويذمُّهم، ويقول: كأنّهم الحُمُر حول المَدار، أو نحو هذا، وكان يقول: إقبالُهم على الجمعيّة أفضَلُ لهم.

ولا ريبَ أنَّ هؤلاء مُؤْثِرون لحظوظهم على حقوق ربِّهم، واقفون مع أذواقهم ومواجيدهم، فانين بها عن حقِّ الله ومراده.

وسمعتُ شيخَ الإسلام ابنَ تيميّة قدَّس الله روحَه يحكي عن بعض العارفين أنّه قال: العامَّةُ تعبُد الله، وهؤلاء يعبدون نفوسَهم٤.

وصدق ﵀، فإنَّ هؤلاء المستكثرينَ من الطَّاعة الذّائقينَ لرَوْح العبادة الرَّاجينَ ثوابَها قد رُفِعَ لهم علَمُ الثّواب، وأنّه مسبَّبٌ عن الأعمال، فشمَّروا إليه راجين أن تُقبَل منهم أعمالُهم ــ على عيبها ونقصها ــ بفضل الله، خائفين أن تُردَّ عليهم، إذ لا تصلُح لله ولا تليقُ به، فيردَّها بعدله وحقِّه. فهم

  1. (١) الحُصُر جمع الحصير. والثقاقيل جمع ثقَّالة، وهي حجرٌ أو رخام أو غيره يثقَّل به البساطُ ونحوه لكيلا يطير إذا هبَّت الريح. وقد ذكر جلال الدين الشَّيزَري في "نهاية الرتبة الظريفة" (ص ٣٠) ثقاقيل الرَّصاص.
  2. (٢) ش: "حمار المدار"، وكذا غيِّر في م، وهو حمار الطاحونة.
  3. (٣) ع: "طرق".
  4. (٤) سينقله المصنف عن شيخ الإسلام مرة أخرى في منزلة الشكر.
404

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي