مدارج السالكين

الجمعيَّة، فإنّهم تشتدُّ نفرتُهم منهم، ويعيبون عليهم، ويُزْرُون بهم.

وقد يسمُّون مَن رأوه كثيرَ الصّلاة "ثقاقيلَ الحُصُر"١، ومن رأوه كثيرَ الطَّواف "حُمُرَ المَدار"٢، ونحو هذا.

وقد أخبرني من رأى ابن سبعين قاعدًا في طرف٣ المسجد الحرام، وهو يسخَر من الطائفين ويذمُّهم، ويقول: كأنّهم الحُمُر حول المَدار، أو نحو هذا، وكان يقول: إقبالُهم على الجمعيّة أفضَلُ لهم.

ولا ريبَ أنَّ هؤلاء مُؤْثِرون لحظوظهم على حقوق ربِّهم، واقفون مع أذواقهم ومواجيدهم، فانين بها عن حقِّ الله ومراده.

وسمعتُ شيخَ الإسلام ابنَ تيميّة قدَّس الله روحَه يحكي عن بعض العارفين أنّه قال: العامَّةُ تعبُد الله، وهؤلاء يعبدون نفوسَهم٤.

وصدق ﵀، فإنَّ هؤلاء المستكثرينَ من الطَّاعة الذّائقينَ لرَوْح العبادة الرَّاجينَ ثوابَها قد رُفِعَ لهم علَمُ الثّواب، وأنّه مسبَّبٌ عن الأعمال، فشمَّروا إليه راجين أن تُقبَل منهم أعمالُهم ــ على عيبها ونقصها ــ بفضل الله، خائفين أن تُردَّ عليهم، إذ لا تصلُح لله ولا تليقُ به، فيردَّها بعدله وحقِّه. فهم

  1. (١) الحُصُر جمع الحصير. والثقاقيل جمع ثقَّالة، وهي حجرٌ أو رخام أو غيره يثقَّل به البساطُ ونحوه لكيلا يطير إذا هبَّت الريح. وقد ذكر جلال الدين الشَّيزَري في "نهاية الرتبة الظريفة" (ص ٣٠) ثقاقيل الرَّصاص.
  2. (٢) ش: "حمار المدار"، وكذا غيِّر في م، وهو حمار الطاحونة.
  3. (٣) ع: "طرق".
  4. (٤) سينقله المصنف عن شيخ الإسلام مرة أخرى في منزلة الشكر.
404

مستكثرون بجُهدهم من طاعاته بين خوفه ورجائه، والإزراءِ على أنفسهم، والحرصِ على استعمال جوارحهم في كلِّ وجهٍ من وجوه الطَّاعات، رجاءَ مغفرته ورحمته، وطمعًا في النّجاة؛ فهم يقاتلون بكلِّ سلاحٍ لعلّهم ينجُون.

قالوا: وأمّا ما أنتم فيه من الفَناءِ ومشاهدةِ الحقيقة والقيُّوميّة والاستغراقِ في ذلك، فنحن في شُغلٍ عنه بتنفيذِ أوامرِ صاحبِ الحقيقة والقيُّوميّة، والاستكثارِ من طاعاته، وتصريفِ الجوارح في مرضاته؛ كما أنّكم بفنائكم واستغراقِكم في شهود الحقيقة وحضرة الرُّبوبيّة في شغلٍ عمَّا نحن فيه. فكيف كنتم أولى بالله منَّا، ونحنُ في حقوقه ومراده منَّا، وأنتم في حظوظكم ومرادكم منه؟

قالوا: وقد ضُرب لنا ولكم مثلٌ مطابقٌ لمن تأمَّله بملِكٍ ادّعى محبّتَه مملوكان من مماليكه، فاستحضرهما وسألهما عن ذلك؟ فقالا: أنت أحبُّ شيءٍ إلينا، ولا نؤثر عليك غيرَك، فقال: إن كنتما صادقَين فاذهبا إلى سائر مماليكي وعرِّفاهم بحقوقي عليهم، وأخبِراهم بما يُرضيني عليهم، ويُسْخِطني. وابذلوا١ قواكم في تخليصهم من مساخطي، ونفِّذوا فيهم أوامري، واصبروا على أذاهم، وعودوا مريضهم، وجَهِّزوا٢ ميِّتهم، وأعينُوا ضعيفهم بقواكم وأموالكم وجاهكم، ثمَّ اذهبوا إلى بلاد أعدائي٣

  1. (١) كذا في جميع النسخ ما عدا ع بصيغة الجمع بدلًا من التثنية من هنا إلى آخر الفقرة. وفي ع بصيغة التثنية إلَّا "وخالطوهم وادعوهم ... ولا تخافوهم" فهذه الأفعال الثلاثة بصيغة الجمع!
  2. (٢) ع: "وشيِّعا".
  3. (٣) ما عدا ع: "بلادي"، وقد صحح في هامش م أيضًا.
405

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي