بهذه الملطِّفات١ وخالطوهم، وادعوهم إلى موالاتي، واشتغلوا بهم، ولا تخافوهم، فعندهم من جندي وأوليائي من يكفيكم شرَّهم.
فأمّا أحدُ المملوكين، فقام وبادر٢ إلى امتثال أمره، وبعُدَ عن حضرته في طلب مرضاته.
وأمّا الآخر، فقال له: لقد غلب على قلبي من محبَّتك والاستغراق في مشاهدة حضرتك وجمالك ما لا أقدر معه على مفارقة حضرتك ومشاهدتك. فقال: إنَّ رضائي في أن تذهبَ مع صاحبك، فتفعلَ كما فعل، وإن بعدتَ عن مشاهدتي. فقال: لا أُوثِرُ على مشاهدتك والاستغراق فيك شيئًا!
فأيُّ المملوكَين أحبُّ إلى هذا المَلِك، وأحظى عنده، وأخَصُّ به، وأقرب إليه؟ أهذا الذي آثر حظَّه ومرادَه وما فيه لذَّتُه على مراد الملك وأمره ورضاه؟ أم ذلك الذي ذهب في تنفيذ أوامره، وفرَّغ لها قواه وجوارحَه، وتفرَّق فيها في كلِّ وجهٍ؟ فما أولاه أن يجمعَه أستاذُه عليه بعد قضاء أوامره وفراغه منها، ويجعلَه من خاصَّته وأهلِ قربه! وما أولى صاحبَه بأن يُبعِدَه عن قربه، ويحجُبَه عن مشاهدته، ويفرِّقه عن جمعيَّته، ويبدِّله بالتَّفرقة التي هرب منها ــ في تفرقة أمره ــ تفرقةً في هواه ومراده بطبعه ونفسه.
فليتأمَّلِ اللَّبيبُ هذا حقَّ التّأمُّل، وليفتَحْ عينَ بصيرته، ويسيرَ بقلبه، فينظر في مقامات العبيد وأحوالهم وهممهم، ومن هو الأولى بالعبوديّة، ومن هو البعيد منها.
(١) ج، م، ش: "المطالعات".
(٢) ع: "مبادرًا".
ولا ريب أنَّ مَن أظهرَ الاستغناءَ عن الله١، وتوثَّبَ عليه، وأورثته الطَّاعاتُ جبَروتًا وحَجْبًا عن رؤيته عيوبَ نفسه وعمله، وكثرت في عينه= فهو من أبغَضِ الخلقِ إلى الله تعالى، وأبعدِهم عن العبوديّة، وأقرَبِهم إلى الهلاك، لا مَن استكثَر من الباقيات الصَّالحات.
ومن قول النَّبيِّ ﷺ لمن سأله مرافقتَه في الجنّة، فقال: "أعِنِّي على نفسك بكثرة السُّجود"٢.
ومن قوله تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ١٧ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾[الذاريات: ١٧ - ١٨]. قال الحسن رحمةُ الله عليه: مَدُّوا الصّلاةَ إلى السَّحَر، ثمَّ جلسوا يستغفرون٣.
وقال النّبيُّ ﷺ: "تابِعوا بين الحجِّ والعمرة، فإنَّهما ينفيان الفقرَ والذُّنوبَ كما ينفي الكِيرُ خبَثَ الحديد"٤.
(١) في ع بعده زيادة: "وطاعاته".
(٢) أخرجه مسلم (٤٨٩) من حديث ربيعة بن كعب الأسلمي ﵁.
(٣) تقدَّم تخريجه.
(٤) أخرجه أحمد (٣٦٦٩) والترمذي (٨١٠) والنسائي في "المجتبى" (٢٦٣١) وابن خزيمة (٢٥١٢) وابن حبان (٣٦٩٣) وغيرهم من حديث عبد الله بن مسعود ﵁، وتكملته: " ... والذهب والفضة، وليس للحجة المبرورة ثواب دون الجنة"، وإسناده حسن لأجل أبي خالد الأحمر وعاصم بن أبي النجود، والحديث صححه الترمذي وابن خزيمة وابن حبان، وقد روي هذا اللفظ من حديث عدة من الصحابة، فبمجموعها صححه الألباني في "الصحيحة" (١٢٠٠)، ويشهد له أيضًا حديث أبي هريرة المتفق عليه: "العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة".