ولا ريب أنَّ مَن أظهرَ الاستغناءَ عن الله١، وتوثَّبَ عليه، وأورثته الطَّاعاتُ جبَروتًا وحَجْبًا عن رؤيته عيوبَ نفسه وعمله، وكثرت في عينه= فهو من أبغَضِ الخلقِ إلى الله تعالى، وأبعدِهم عن العبوديّة، وأقرَبِهم إلى الهلاك، لا مَن استكثَر من الباقيات الصَّالحات.
ومن قول النَّبيِّ ﷺ لمن سأله مرافقتَه في الجنّة، فقال: "أعِنِّي على نفسك بكثرة السُّجود"٢.
ومن قوله تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ١٧ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾[الذاريات: ١٧ - ١٨]. قال الحسن رحمةُ الله عليه: مَدُّوا الصّلاةَ إلى السَّحَر، ثمَّ جلسوا يستغفرون٣.
وقال النّبيُّ ﷺ: "تابِعوا بين الحجِّ والعمرة، فإنَّهما ينفيان الفقرَ والذُّنوبَ كما ينفي الكِيرُ خبَثَ الحديد"٤.
(١) في ع بعده زيادة: "وطاعاته".
(٢) أخرجه مسلم (٤٨٩) من حديث ربيعة بن كعب الأسلمي ﵁.
(٣) تقدَّم تخريجه.
(٤) أخرجه أحمد (٣٦٦٩) والترمذي (٨١٠) والنسائي في "المجتبى" (٢٦٣١) وابن خزيمة (٢٥١٢) وابن حبان (٣٦٩٣) وغيرهم من حديث عبد الله بن مسعود ﵁، وتكملته: " ... والذهب والفضة، وليس للحجة المبرورة ثواب دون الجنة"، وإسناده حسن لأجل أبي خالد الأحمر وعاصم بن أبي النجود، والحديث صححه الترمذي وابن خزيمة وابن حبان، وقد روي هذا اللفظ من حديث عدة من الصحابة، فبمجموعها صححه الألباني في "الصحيحة" (١٢٠٠)، ويشهد له أيضًا حديث أبي هريرة المتفق عليه: "العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة".
وقال لمن سأله أن يوصيه بشيءٍ يتشبَّث به: "لا يزال لسانُك رطبًا من ذكر الله"١.
والدِّينُ كلُّه استكثارٌ من الطّاعات، وأحبُّ خلق الله إليه أعظَمُهم استكثارًا منها. وفي الحديث الصّحيح الإلهيِّ: "ما تقرَّب إليَّ عبدي بمثل أداء ما افترضتُ عليه. ولا يزال عبدي يتقرَّبُ إليَّ بالنَّوافل حتّى أُحِبَّه، فإذا أحببتُه كنت سمعَه الذي يسمع به، وبصرَه الذي يبصر به، ويدَه التي يبطش بها، ورجلَه التي يمشي بها. فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي. ولئن سألني لأعطينَّه، ولئن استعاذني لأعيذنَّه"٢. فهذا جزاؤه وكرامته للمستكثرين من طاعته، لا لأهل الفناء المستغرقين في شهود الرُّبوبيّة.
وقال لآخر: "عليك بكثرة السُّجود، فإنّك لا تسجدُ لله سجدةً إلّا رفعك اللهُ بها درجةً، وحطَّ عنك بها خطيئةً"٣.
(١) أخرجه أحمد (١٧٦٩٨) والترمذي (٣٣٧٥) وابن ماجه (٣٧٩٣) وابن حبان (٨١٤) وغيرهم من حديث عبد الله بن بُسْر المازِني ﵁. والحديث حسَّنه الترمذي والحافظ في "نتائج الأفكار" (١/ ٩٣)، وصححه ابن حبان والحاكم (١/ ٤٩٥) والألباني في تخريج "الكلم الطيب" (٣).
(٢) أخرجه البخاري (٦٥٠٢) من حديث أبي هريرة ﵁ ما عدا قوله: "فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي" فلم أجد مَن أسنده، وإنما ذكره الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول" (٢/ ١١٢، ٥/ ١٨٠ - دار النوادر)، وقال الألباني في "الصحيحة" (٤/ ١٩١): "ولم أر هذه الزيادة عند البخاري ولا عند غيره ممن ذكرنا من المخرِّجين، وقد ذكرها الحافظ ["الفتح" (١١/ ٣٤٤)] في أثناء شرحه للحديث نقلًا عن الطوفي ولم يَعْزُها لأحد".