مدارج السالكين

وقال لمن سأله أن يوصيه بشيءٍ يتشبَّث به: "لا يزال لسانُك رطبًا من ذكر الله"١.

والدِّينُ كلُّه استكثارٌ من الطّاعات، وأحبُّ خلق الله إليه أعظَمُهم استكثارًا منها. وفي الحديث الصّحيح الإلهيِّ: "ما تقرَّب إليَّ عبدي بمثل أداء ما افترضتُ عليه. ولا يزال عبدي يتقرَّبُ إليَّ بالنَّوافل حتّى أُحِبَّه، فإذا أحببتُه كنت سمعَه الذي يسمع به، وبصرَه الذي يبصر به، ويدَه التي يبطش بها، ورجلَه التي يمشي بها. فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي. ولئن سألني لأعطينَّه، ولئن استعاذني لأعيذنَّه"٢. فهذا جزاؤه وكرامته للمستكثرين من طاعته، لا لأهل الفناء المستغرقين في شهود الرُّبوبيّة.

وقال لآخر: "عليك بكثرة السُّجود، فإنّك لا تسجدُ لله سجدةً إلّا رفعك اللهُ بها درجةً، وحطَّ عنك بها خطيئةً"٣.

  1. (١) أخرجه أحمد (١٧٦٩٨) والترمذي (٣٣٧٥) وابن ماجه (٣٧٩٣) وابن حبان (٨١٤) وغيرهم من حديث عبد الله بن بُسْر المازِني ﵁. والحديث حسَّنه الترمذي والحافظ في "نتائج الأفكار" (١/ ٩٣)، وصححه ابن حبان والحاكم (١/ ٤٩٥) والألباني في تخريج "الكلم الطيب" (٣).
  2. (٢) أخرجه البخاري (٦٥٠٢) من حديث أبي هريرة ﵁ ما عدا قوله: "فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي" فلم أجد مَن أسنده، وإنما ذكره الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول" (٢/ ١١٢، ٥/ ١٨٠ - دار النوادر)، وقال الألباني في "الصحيحة" (٤/ ١٩١): "ولم أر هذه الزيادة عند البخاري ولا عند غيره ممن ذكرنا من المخرِّجين، وقد ذكرها الحافظ ["الفتح" (١١/ ٣٤٤)] في أثناء شرحه للحديث نقلًا عن الطوفي ولم يَعْزُها لأحد".
  3. (٣) أخرجه مسلم (٤٨٨) من حديث ثوبان ﵁.
408

فصل١

وهذه الطَّريقةُ في الإرادة والطَّلب نظيرُ طريقة التَّجهُّم في العلم والمعرفة: تلك تعطيلٌ للصِّفات٢ والتّوحيد، وهذه تعطيلُ الأمر٣ والعبوديّة. وانظر إلى هذا النَّسب والإخاء الذي بينهما، كيف شرَّكَ بينهما في اللَّفظ، كما شرَّكَ في المعنى؟ فتلك طريقةُ النّفي، وهذه طريقةُ الفناء. تلك نفيٌ لصفات المعبود، وهذه فناءٌ عن عبوديّته.

وأمّا نفيُ خواصِّ العبيد وفناؤهم، فأمرٌ وراء نفي أولئك وفنائهم، لأنّ نفيَهم لصفات النّقائص وما يضادُّ أوصافَ الكمال، وفناءَهم عن إرادة غيره ومحبّته وخوفه ورجائه. ففناؤهم عن كلِّ ما يخالف أمره ومحابَّه، ونفيُهم لكلِّ ما يضادُّ كمالَه وجلالَه. ومن له فرقانٌ فهو يعرف هذا وهذا، وغيرُه لا اعتبار به.

وصاحبُ "المنازل" ﵀ كان شديدَ الإثبات للأسماء والصِّفات مضادًّا للجهميّة من كلِّ وجهٍ. وله كتابُ "الفاروق"٤ استوعَبَ فيه أحاديثَ الصِّفات وآثارَها ولم يُسبَق إلى مثله، وكتابُ "ذمِّ الكلام وأهله" طريقتُه فيه أحسَنُ طريقةٍ. وله كتابٌ لطيفٌ في أصول الدِّين٥، يسلك فيه طريقةَ أهلِ الإثبات ويقرِّرها. وله مع الجهميّة المقاماتُ المشهورةُ، وسعَوا بقتله إلى

  1. (١) بإزاء هذا السطر في هامش الأصل: "بلغ مقابلة وقراءة على مصنفه ﵁ ".
  2. (٢) ش: "الصفات".
  3. (٣) ج، ع: "للأمر".
  4. (٤) لا يزال مفقودًا.
  5. (٥) لعله يقصد "كتاب الأربعين في دلائل التوحيد"، وهو مطبوع.
409

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي