مدارج السالكين

فصل١

وهذه الطَّريقةُ في الإرادة والطَّلب نظيرُ طريقة التَّجهُّم في العلم والمعرفة: تلك تعطيلٌ للصِّفات٢ والتّوحيد، وهذه تعطيلُ الأمر٣ والعبوديّة. وانظر إلى هذا النَّسب والإخاء الذي بينهما، كيف شرَّكَ بينهما في اللَّفظ، كما شرَّكَ في المعنى؟ فتلك طريقةُ النّفي، وهذه طريقةُ الفناء. تلك نفيٌ لصفات المعبود، وهذه فناءٌ عن عبوديّته.

وأمّا نفيُ خواصِّ العبيد وفناؤهم، فأمرٌ وراء نفي أولئك وفنائهم، لأنّ نفيَهم لصفات النّقائص وما يضادُّ أوصافَ الكمال، وفناءَهم عن إرادة غيره ومحبّته وخوفه ورجائه. ففناؤهم عن كلِّ ما يخالف أمره ومحابَّه، ونفيُهم لكلِّ ما يضادُّ كمالَه وجلالَه. ومن له فرقانٌ فهو يعرف هذا وهذا، وغيرُه لا اعتبار به.

وصاحبُ "المنازل" ﵀ كان شديدَ الإثبات للأسماء والصِّفات مضادًّا للجهميّة من كلِّ وجهٍ. وله كتابُ "الفاروق"٤ استوعَبَ فيه أحاديثَ الصِّفات وآثارَها ولم يُسبَق إلى مثله، وكتابُ "ذمِّ الكلام وأهله" طريقتُه فيه أحسَنُ طريقةٍ. وله كتابٌ لطيفٌ في أصول الدِّين٥، يسلك فيه طريقةَ أهلِ الإثبات ويقرِّرها. وله مع الجهميّة المقاماتُ المشهورةُ، وسعَوا بقتله إلى

  1. (١) بإزاء هذا السطر في هامش الأصل: "بلغ مقابلة وقراءة على مصنفه ﵁ ".
  2. (٢) ش: "الصفات".
  3. (٣) ج، ع: "للأمر".
  4. (٤) لا يزال مفقودًا.
  5. (٥) لعله يقصد "كتاب الأربعين في دلائل التوحيد"، وهو مطبوع.
409

السُّلطان مرارًا عديدةً والله يعصمه منهم. ورمَوه بالتَّشبيه والتَّجسيم على عادة بَهْتِ الجهميّة والمعتزلة لأهل السُّنّة والحديث الذين لم يتحيَّزوا إلى مقالةٍ غيرِ ما دلَّ عليه الكتابُ والسُّنّة.

ولكن ﵀ طريقتُه في السُّلوك مضادّةٌ لطريقته في الأسماء والصِّفات، فإنّه لا يقدِّم على الفناء شيئًا، ويراه الغايةَ التي يشمِّر إليها السّالكون، والعَلَم الذي يؤمُّه السَّائرون. واستولى عليه ذوقُ الفناء وشهود١ الجمع، وعظُمَ موقعُه عنده، واتَّسعت إشارتُه إليه، وتنوّعت به الطُّرقُ المُوصِلة إليه علمًا وحالًا وذوقًا، فتضمَّن ذلك تعطيلًا من العبوديَّة باديًا على صفحات كلامه وزانَ تعطيل الجهميّة لما اقتضته أصولهم من نفي الصِّفات.

ولمَّا اجتمع التَّعطيلان لمن اجتمعا له من السّالكين تولَّد منهما القولُ بوحدة الوجود المتضمنَّةِ لإنكار الصّانع وصفاته وعبوديّته. وعصَم الله أبا إسماعيل باعتصامه بطريقة السَّلف في إثبات الصِّفات، فأشرَفَ من عقَبة الفناء على وادي الاتِّحاد، فلم يسلكه٢. ولوقوفه على عقبته ودعوة الخلق إليها٣، أقسمَ الاتِّحاديَّةُ بالله جَهْدَ أيمانهم إنّه لمعهم ومنهم، وحاشاه!

وتولَّى شرحَ كتابه أشدُّهم في الاتِّحاد طريقةً وأعظَمُهم فيه مبالغةً وعنادًا لأهل الفَرْقِ: العفيفُ التِّلِمْسَانيُّ، ونزَّل الجَمْعَ الذي يشير إليه صاحبُ "المنازل" على جمع الوجود، وهو لم يُرِد به حيث ذكَره إلَّا جمعَ الشُّهود.

  1. (١) ش: "وشهوة"، تحريف.
  2. (٢) ع: "وادي الاتحاد وأرض الحلول فلم يسلك فيهما".
  3. (٣) ع: "عقبته وإشرافه على تلك الربوع الخراب ودعوة الخلق إلى الوقوف على تلك العقبة".
410

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي