مدارج السالكين

السُّلطان مرارًا عديدةً والله يعصمه منهم. ورمَوه بالتَّشبيه والتَّجسيم على عادة بَهْتِ الجهميّة والمعتزلة لأهل السُّنّة والحديث الذين لم يتحيَّزوا إلى مقالةٍ غيرِ ما دلَّ عليه الكتابُ والسُّنّة.

ولكن ﵀ طريقتُه في السُّلوك مضادّةٌ لطريقته في الأسماء والصِّفات، فإنّه لا يقدِّم على الفناء شيئًا، ويراه الغايةَ التي يشمِّر إليها السّالكون، والعَلَم الذي يؤمُّه السَّائرون. واستولى عليه ذوقُ الفناء وشهود١ الجمع، وعظُمَ موقعُه عنده، واتَّسعت إشارتُه إليه، وتنوّعت به الطُّرقُ المُوصِلة إليه علمًا وحالًا وذوقًا، فتضمَّن ذلك تعطيلًا من العبوديَّة باديًا على صفحات كلامه وزانَ تعطيل الجهميّة لما اقتضته أصولهم من نفي الصِّفات.

ولمَّا اجتمع التَّعطيلان لمن اجتمعا له من السّالكين تولَّد منهما القولُ بوحدة الوجود المتضمنَّةِ لإنكار الصّانع وصفاته وعبوديّته. وعصَم الله أبا إسماعيل باعتصامه بطريقة السَّلف في إثبات الصِّفات، فأشرَفَ من عقَبة الفناء على وادي الاتِّحاد، فلم يسلكه٢. ولوقوفه على عقبته ودعوة الخلق إليها٣، أقسمَ الاتِّحاديَّةُ بالله جَهْدَ أيمانهم إنّه لمعهم ومنهم، وحاشاه!

وتولَّى شرحَ كتابه أشدُّهم في الاتِّحاد طريقةً وأعظَمُهم فيه مبالغةً وعنادًا لأهل الفَرْقِ: العفيفُ التِّلِمْسَانيُّ، ونزَّل الجَمْعَ الذي يشير إليه صاحبُ "المنازل" على جمع الوجود، وهو لم يُرِد به حيث ذكَره إلَّا جمعَ الشُّهود.

  1. (١) ش: "وشهوة"، تحريف.
  2. (٢) ع: "وادي الاتحاد وأرض الحلول فلم يسلك فيهما".
  3. (٣) ع: "عقبته وإشرافه على تلك الربوع الخراب ودعوة الخلق إلى الوقوف على تلك العقبة".
410

ولكنَّ الألفاظَ مجملةٌ١، وصادفت قلبًا مشحونًا بالاتِّحاد، ولسانًا فصيحًا متمكِّنًا من التعبير عن المراد، ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ﴾ [النور: ٤٠].

فصل

قال٢: (وتوبةُ الأوساط من استقلال المعصية، وهو عينُ الجرأة والمبارزة، ومحضُ التّزيُّن بالحميّة، والاسترسالُ للقطيعة).

يريد أنّ استقلالَ العبدِ المعصيةَ ذنبٌ، كما أنَّ استكثارَه الطَّاعةَ ذنبٌ. والعارفُ من صغُرتْ حسناتُه في عينه، وعظمتْ ذنوبُه عنده. وكلَّما صغُرت الحسناتُ في عينك كبُرتْ عند الله، وكلّما كبُرتْ وعظُمتْ في قلبك قلَّتْ عند الله وصغُرَتْ٣. وسيِّئاتُك بالعكس. ومَن عرف اللهَ وحقَّه وما ينبغي لعظمته من العبوديّة تلاشت حسناتُه عنده وصغُرت جدًّا في عينه، وعلِم أنّها ليست ممّا ينجو بها من عذابه، وأنَّ الذي يليق بعزّته ويصلحِ له من العبوديّة أمرٌ آخر. وكلَّما استكثَر منها استقلَّها واستصغَرها، لأنّه كلَّما استكثَر منها فُتِحَت له أبوابُ المعرفة بالله والقرب منه، فشاهد قلبُه من عظمته وجلاله ما يستصغِرُ معه جميعَ أعماله، ولو كانت أعمالَ الثَّقَلَين. وإذا كثُرت٤ في عينه وعظُمت دلَّ على أنّه محجوبٌ عن الله، غيرُ عارفٍ به وبما ينبغي له.

  1. (١) ج، ش: "محتملة".
  2. (٢) "منازل السائرين" (ص ١١).
  3. (٣) ع: "قلَّت وصغرت عند الله".
  4. (٤) م، ش: "كبرت".
411

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي