مدارج السالكين

عليها انكشف لهم من ذنوبهم ومعاصيهم ما لم ينكشف للعامَّة، إذ حرصُ العامَّة على الاستكثار من الطاعات ولذلك كثرت في أعينهم؛ وحرصُ هؤلاء على تنقية الآفات والتَّفتيش على عيوب الأعمال. فاستقلالُ السَّيِّئات آفة هؤلاء وقاطعُ طريقهم، واستكثارُ الحسنات وعِظمُها في قلوب أولئك آفتُهم وقاطعُ طريقهم. فذكَر ما هو الأخصُّ الأغلبُ على كلِّ واحدةٍ من الطّائفتين.

فصل

قال صاحب "المنازل"١: (وتوبةُ الخواصِّ من تضييع الوقت، فإنّه يدعو إلى درَكِ النَّقيصة، ويُطفئ نورَ المراقبة، ويُكدِّر عينَ الصُّحبة).

ليس مرادُه بتضييع الوقت إضاعتَه في الاشتغال بمعصيةٍ أو لغوٍ، أو الإعراضِ عن واجبه وفرضه، فإنّهم لو أضاعوه بهذا المعنى لم يكونوا من الخواصِّ، بل هذه٢ توبةُ العامَّةِ بعينها. والوقتُ عند القوم أخصُّ منه في لغة العرب، حتّى إنَّ منهم من يقول: الوقت هو الحقُّ، ومنهم من يقول: استغراقُ رسم العبد في وجود الحقِّ، يشيرون إلى الفناء في حضرة الجمع٣. والغالبُ على اصطلاحهم أنّه زمنُ الإقبال على الله تعالى بالمراقبة والحضور والفناء في الوحدانيّة. ويقولون: هو صاحبُ وقتٍ مع الله، فخصُّوا الوقتَ بهذا الاسم تخصيصًا للَّفظ العامِّ ببعض أفراده، وإلّا فكلُّ مَن هو مشغولٌ بأمرٍ يعنى به فانٍ في شهوده وطلبه، فله وقتٌ معه، بل أوقاته مستغرقةٌ فيه.

  1. (١) "منازل السائرين" (ص ١١).
  2. (٢) بعده في ش زيادة: "التوبة"، وكذا في هامش م.
  3. (٣) انظر: باب الوقت في "منازل السائرين" (ص ٨٢).
413

فتوبةُ هؤلاء من إضاعة هذا الوقت الخاصِّ الذي هو وقتُ وجدٍ صادقٍ وحالٍ صحيحةٍ مع الله تعالى لا يكدِّرها الأغيار.

وربّما يمرُّ بك إشباعُ القول في الوقت والفرق بين الصَّحيح منه والفاسد فيما بعد إن شاء الله١.

والقصدُ: أنَّ إضاعةَ الوقت الصَّحيح يدعو إلى درَك النّقيصة، إذ صاحبُ حفظه مترقٍّ في درجات الكمال، فإذا أضاعه لم يقف موضعه، بل ينزل إلى درجاتٍ من النَّقص؛ فإنَّ مَن لم يكن في تقدُّمٍ فهو متأخِّرٌ ولا بدَّ. فالعبدُ سائرٌ لا واقفٌ، فإمّا إلى فوق وإمّا إلى أسفل، إمّا إلى أمامٍ وإمّا إلى وراء. وليس في الطَّبيعة ولا في الشَّريعة وقوفٌ البتّة، ما هو إلّا مراحلُ تُطوى أسرعَ طيٍّ إلى الجنّة أو إلى النّار، فمسرعٌ ومبطئٌ، ومتقدِّمٌ ومتأخِّرٌ، وليس في الطّريق واقفٌ البتّة، وإنّما يتخالفون في جهة المسير، وفي السُّرعة والبطء ﴿إِذَا أَسْفَرَ ٣٤ إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ ٣٥ نَذِيرًا لِلْبَشَرِ ٣٦ لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ﴾ [المدثر: ٣٥ - ٣٧] ولم يذكر واقفًا، إذ لا منزل بين الجنّة والنّار، ولا طريق لسالكٍ إلى غير الدّارين البتّة٢.

فإن قلت: كلُّ مجدٍّ في طلب شيءٍ لا بدّ أن يعرض له وقفةٌ وفتورٌ، ثمَّ ينهض إلى طلبه.

قلت: لا بدَّ من ذلك، ولكنَّ صاحب الوقفة له حالان: إمّا أن يقف ليُجِمَّ

  1. (١) في شرح باب الوقت (٣/ ٥٤٤).
  2. (٢) بعده في ع زيادة وقد أشير في أولها إلى أنها زيادة على الأصل: "فمن لم يتقدَّم إلى هذه بالأعمال الصّالحة فهو متأخِّرٌ إلى تلك بالأعمال السّيِّئة".
414

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي