مدارج السالكين

خاصّةٌ بحسب حفظه وقتَه مع الله. فإن١ كان مع الله كان الله معه. فإذا أضاع وقتَه كدَّر عينَ هذه المعيَّة الخاصَّة، وتعرَّض لقطع هذه الصُّحبة. فلا شيءَ أضرُّ على العارف بالله من إضاعة وقته مع الله، ويُخشى عليه إن لم يتداركه بالرُّجوع أن تستمرَّ الإضاعةُ إلى يوم اللِّقاء، فتكون حسرتُه وندامتُه أعظمَ من حسرة غيره وندامته٢، وحجابُه عن الله أشدَّ من حجاب سواه، ويكون حالُه شبيهًا بحال قومٍ يؤمر بهم إلى الجنّة، حتّى إذا عاينوها وشاهدوا ما فيها صُرفت وجوهُهم عنها إلى النّار. فإذن توبةُ الخواصِّ من تضييع أوقاتهم مع الله التي تدعو إلى هذه الأمور.

فصل

وفوق هذا مقامٌ آخر من التّوبة أرفَعُ منه وأخصُّ، لا يعرفه إلّا خواصُّ المحبِّين، الذين يستقلُّون في حقِّ محبوبهم جميعَ أعمالهم وأحوالهم وأقوالهم، فلا يرونها قطُّ إلّا بعين النَّقص والإزراء عليها، ويرون شأنَ محبوبهم أعظمَ وقدرَه أعلى من أن يرضَوا نفوسَهم وأعمالَهم له، فهم أشدُّ شيءٍ احتقارًا لها وإزراءً بها. وإذا غفلوا عن مراد محبوبهم منهم٣ ولم يوفُّوه حقَّه تابوا إليه من ذلك توبةَ أرباب الكبائر منها. فالتّوبةُ لا تفارقهم أبدًا، وتوبتُهم لونٌ، وتوبةُ غيرهم لونٌ٤ وكلَّما ازدادوا حبًّا له ازدادوا معرفةً بحقِّه وشهودًا لتقصيرهم، فعظمت لذلك توبتُهم. ولذلك كان خوفُهم أشدَّ،

  1. (١) ش: "فإنَّ مَن"، وكذا في هامش م.
  2. (٢) "وندامته" من ع وحدها.
  3. (٣) ما عدا ج: "منه"، وهو خطأ.
  4. (٤) وردت بعده في ع الآية: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦].
416

وإزراؤهم على أنفسهم أعظمَ، وما يتوب منه هؤلاء قد يكون من كبار حسنات غيرهم.

وبالجملة، فتوبةُ المحبِّين١ العارفين بربِّهم وبحقِّه هي التَّوبة، وسواهم محجوبٌ عنها.

وفوق هذه توبةٌ أخرى، الأولى بنا الإضرابُ عنها صفحًا.

فصل

قال صاحب "المنازل" ﵀٢: (ولا يتمُّ مقامُ التَّوبة إلّا بالانتهاء إلى التَّوبة ممّا دون الحقِّ، ثمّ رؤيةِ علَّة التَّوبة، ثمّ التَّوبةِ من رؤية تلك العلَّة).

التّوبةُ ممّا دون الله: أن يخرج العبدُ بقلبه عن إرادة ما سوى الله، فيعبدَه وحده لا شريك له بأمره وباستعانته، فيكونَ كلُّه له وبه. وهذا أمرٌ لا يصحُّ إلّا لمن استولى عليه سلطانُ المحبَّة، فامتلأ قلبُه من الله محبّةً له وإجلالًا وتعظيمًا، وذلًّا وخضوعًا وانكسارًا بين يديه، وافتقارًا إليه.

فإذا صحّ له ذلك بقيت عليه عندهم بقيّةٌ أخرى، هي علَّةٌ في توبته، وهي شعورُه بها، ورؤيتُه لها، وعدمُ فنائه عنها. وذلك بالنِّسبة إلى مقامه وحاله ذنبٌ، فيتوب من هذه الرُّؤية.

فهاهنا ثلاثة أمورٍ: توبتُه ممّا سوى الله، ورؤيتُه هذه التّوبةَ وهي علَّتها، وتوبتُه من رؤية تلك الرُّؤية. وهذا عند القوم الغايةُ التي لا شيء بعدها،

  1. (١) في ع بعده زيادة: "الصادقين".
  2. (٢) "منازل السائرين" (ص ١١).
417

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي