مدارج السالكين

والنِّهايةُ التي لا تكون إلّا لخاصَّة الخاصَّة. ولَعَمْرُ الله إنَّ رؤيةَ العبد فعلَه، واحتجابَه به عن ربِّه ومشاهدته له= علّةٌ في طريقه مُوجِبٌ١ للتَّوبة.

وأمّا رؤيتُه له واقعًا بمنّة الله وفضله وحوله وقوّته وإعانته، فهذا أكمَلُ من غَيبته عنه. وهو أكمَلُ من المقام الذي يشيرون إليه، وأتمُّ عبوديّةً، وأدعى للمحبَّة وشهود المنَّة، إذ يستحيلُ شهودُ المنَّةِ والفضلِ على شيءٍ لا شعورَ للشّاهد به البتّة.

والّذي ساقهم إلى ذلك سلوكُ وادي الفناء في الشُّهود، فلا يشهد مع الحقِّ سببًا٢ ولا وسيلةً ولا رسمًا البتّة.

ونحن لا ننكر ذوقَ هذا المقام، وأنَّ السّالك ينتهي إليه، ويجد له حلاوةً ووجدًا ولذّةً لا يجدها لغيره البتّة. وإنَّما يطالبُ أربابُه والمشمِّرون إليه بأمرٍ وراءه، وهو أنَّ هذا هو الكمال، وهو أكمَلُ مِن حالِ مَن شهد أفعالَه ورآها ورأى تفاصيلها مشاهدًا لها صادرةً عنه بمشيئة الله وإرادته ومعونته، فشهد عبوديَّتَه مع شهود معبوده، ولم يغِبْ في شهود العبوديَّة عن المعبود ولا بشهود المعبود عن العبودية، فكلاهما ناقص! والكمالُ: أن تشهد العبوديَّةَ حاصلةً بمنَّة المعبود وفضله ومشيئته، فيجتمعَ لك الشُّهودان. فإن غبتَ بأحدهما عن الآخر، فالمقامُ مقامُ توبةٍ، وهل في الغَيبة عن العبوديَّةِ إلّا هضمٌ لها؟

والواجب: أن يقع التَّحاكُم في ذلك إلى الله ورسوله وإلى حقائق الإيمان

  1. (١) في النسخ المطبوعة: "موجبة".
  2. (٢) ش: "شيئًا"، تصحيف.
418

دون الذَّوق، فإنَّا لا ننكر ذوقَ هذه الحال، وإنَّما ننكرُ كونَها أكملَ من غيرها. فأين الإشارةُ في القرآن، أو في السُّنَّة، أو في كلام سادات العارفين من الصَّحابة ومن تبعهم= إلى هذا الفناء، وأنَّه هو الكمال، وأنَّ رؤيةَ العبد لفعله بالله وحوله وفضله، وشهودَه له كذلك= علّةٌ تجب التَّوبةُ منها؟

وهذا القدرُ ممَّا يصعبُ إنكاره على القوم جدًّا، ويرمُون منكِرَه بأنّه محجوبٌ من أهل الفَرْق، وأنّه لم يصل إلى هذا المقام، ولو وصَل إليه لَمَا أنكره. وليس في شيءٍ من ذلك حجّةٌ لتصحيح قولهم، ولا جوابُ المطالبة، فقد سألكم هذا المحجوبُ عن مسألةٍ شرعيَّةٍ، وما ذكرتموه ليس بجوابٍ لها. ولَعَمْرُ الله إنَّه يراكم محجوبين عن حالٍ أعظمَ من هذه الحال، ومقامٍ أرفع منه!

وليس في مجرَّدِ الفناءِ والاستغراقِ في شهود القيُّوميّة وإسقاطِ الأسباب والعلل والحِكَم والوسائط كبيرُ علمٍ ولا معرفةٌ ولا عبوديّةٌ. وهل المعرفةُ كلُّ المعرفة والعبوديَّةُ إلّا شهودُ الأشياء على ما هي عليه؟ والقرآنُ مملوءٌ من دعاء العباد إلى التّفكُّرِ في الآيات، والنَّظَرِ في أحوال المخلوقات، ونظرِ الإنسان في نفسه وتفاصيل أحواله. وأخصُّ من ذلك: نظرُه فيما قدَّمه لغده، ومطالعتُه لنِعَم الله عليه بالإيمان والتَّوفيق والهداية، وتذكُّرُ١ ذلك والتّفكُّرُ فيه وحمدُ الله وشكرُه عليه. وهذا لا يحصل مع الفناء حتّى عن رؤيةِ الرُّؤية وشهودِ الشُّهود.

ثمّ إنَّ هذا غيرُ ممكنٍ البتّة، فإنَّكم إذا جعلتم رؤيتَه لتوبته علّةً يتوب

  1. (١) ق، ش، م: "وبذكر". وفي ل أهمل أوله.
419

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي