مدارج السالكين

منها، فإنَّ رؤيتَه لتلك الرُّؤية أيضًا علّةٌ توجب عليه توبةً١، وهلمَّ جرًّا؛ فلا ينتهي الأمرُ إلَّا بسقوط التَّمييز جملةً، والسُّكرِ والطَّمْس٢ المنافي للعبوديَّة، فضلًا عن أن يكون غايةً للعبوديّة.

فتأمَّلِ الآن تفاصيلَ عبوديَّة الصَّلاة، كيف لا تتمُّ إلّا بشهود فعلك الذي متى غبتَ عنه كان ذلك نقصًا في العبوديّة.

فإذا قال المصلِّي: "وجَّهتُ وجهيَ للَّذي فطر السَّماوات والأرض حنيفًا"٣، فعبوديّةُ هذا القول أن يشهد وجهَه، وهو قصدُه وإرادتُه٤، وأن يشهدَ حنيفيَّتَه٥، وهي إقبالُه على الله.

ثمّ إذا قال: "إنَّ صلاتي ونسكي ومحيايَ ومماتي لله ربِّ العالمين"٦، فعبوديّةُ هذا القول أيضًا: أن يشهد الصّلاةَ والنُّسكَ المضافَين إليه لله٧ سبحانه. ولو غاب عنهما كان قد أضاف إلى الله بلسانه ما هو غائبٌ عن استحضاره بقلبه، فكيف يكون هذا أكملَ وأعلى مِن حال من استحضر فعلَه

  1. (١) ل، ش: "توبته".
  2. (٢) في "لطائف الإعلام" (٢/ ٤٨١) أنَّ المحو: رفع أوصاف العادة. والطمس فوق المحو، وهو رفع جميع الأوصاف.
  3. (٣) رواه مسلم (٧٧١) من حديث علي بن أبي طالب ﵁.
  4. (٤) انظر: "زاد المعاد" (٤/ ٣٥١).
  5. (٥) ع: "حقيقته"، تصحيف ظاهر.
  6. (٦) جزء من حديث علي ﵁ السابق.
  7. (٧) كان في الأصل: "إلى الله" كما في ش وهامش م، فأصلح كما أثبت من ع. وفي ل، ج، م: "المضافين لله" بحذف "إليه".
420

وعبوديَّتَه، وأضافها إلى الله، وشهد مع ذلك كونَها به؟ فأين هذا من حال المستغرِق الفاني المصطلَم الذي قد غاب بمعبوده عن حقِّه وعبادته، وقد أُخِذَ منه وغُيِّب عنه؟ نعم، غايةُ هذا أن يكون معذورًا، أمّا أن يكون مقامُه أعلى مقامٍ وأجلَّه فكلَّا.

وكذلك إذا قال في قراءته: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فعبوديّةُ هذا القول فهمُ معنى العبادة والاستعانة، واستحضارُهما، وتخصيصُهما بالله، ونفيُهما عن غيره. فهذا أكمَلُ من قول ذلك بمجرَّد اللِّسان.

وكذلك إذا قال في ركوعه: "اللهمَّ لك ركعتُ، وبك آمنتُ، ولك أسلمتُ، خشَع لك سمعي وبصري ومخِّي وعَظْمي، وما استقلَّ به قدَمي"١. فكيف يؤدِّي عبوديّةَ هذه الكلمات غائبٌ عن فعله مستغرقٌ في فنائه؟ وهل يبقى غيرُ أصواتٍ جاريةٍ على لسانٍ؟ ولولا العذرُ لم تكن هذه عبوديّةً.

نعم، رؤيةُ هذه الأفعال، والوقوفُ عندها، والاحتجابُ بها عن المنعِم بها الموفِّق لها المانِّ بها= من أعظم العلل والقواطع٢. قال تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات: ١٧]. فالعارف غائبٌ بمنّة الله عليه في طاعته مع شهودها ورؤيتها، والجاهلُ غائبٌ بها عن رؤية منَّة الله، والفاني غائبٌ

  1. (١) من حديث علي بن أبي طالب ﵁ السابق. وفي "صحيح مسلم" بعد "عظمي": "وعصبي". وزيادة "وما استقلت به قدمي لله ربَ العالمين" في "صحيح ابن خزيمة" (٦٠٧) و"صحيح ابن حبان" (١٩٠١).
  2. (٢) ع: "العلل القواطع".
421

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي