وعبوديَّتَه، وأضافها إلى الله، وشهد مع ذلك كونَها به؟ فأين هذا من حال المستغرِق الفاني المصطلَم الذي قد غاب بمعبوده عن حقِّه وعبادته، وقد أُخِذَ منه وغُيِّب عنه؟ نعم، غايةُ هذا أن يكون معذورًا، أمّا أن يكون مقامُه أعلى مقامٍ وأجلَّه فكلَّا.
وكذلك إذا قال في قراءته: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فعبوديّةُ هذا القول فهمُ معنى العبادة والاستعانة، واستحضارُهما، وتخصيصُهما بالله، ونفيُهما عن غيره. فهذا أكمَلُ من قول ذلك بمجرَّد اللِّسان.
وكذلك إذا قال في ركوعه: "اللهمَّ لك ركعتُ، وبك آمنتُ، ولك أسلمتُ، خشَع لك سمعي وبصري ومخِّي وعَظْمي، وما استقلَّ به قدَمي"١. فكيف يؤدِّي عبوديّةَ هذه الكلمات غائبٌ عن فعله مستغرقٌ في فنائه؟ وهل يبقى غيرُ أصواتٍ جاريةٍ على لسانٍ؟ ولولا العذرُ لم تكن هذه عبوديّةً.
نعم، رؤيةُ هذه الأفعال، والوقوفُ عندها، والاحتجابُ بها عن المنعِم بها الموفِّق لها المانِّ بها= من أعظم العلل والقواطع٢. قال تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾[الحجرات: ١٧]. فالعارف غائبٌ بمنّة الله عليه في طاعته مع شهودها ورؤيتها، والجاهلُ غائبٌ بها عن رؤية منَّة الله، والفاني غائبٌ
(١) من حديث علي بن أبي طالب ﵁ السابق. وفي "صحيح مسلم" بعد "عظمي": "وعصبي". وزيادة "وما استقلت به قدمي لله ربَ العالمين" في "صحيح ابن خزيمة" (٦٠٧) و"صحيح ابن حبان" (١٩٠١).
(٢) ع: "العلل القواطع".
باستغراقه في الفناء وشهودِ القيُّوميّة عن شهودها، وهو ناقصٌ. وقد جعل الله لكلِّ شيءٍ قدرًا.
منها: المبادرةُ إلى التَّوبة من الذَّنب فرضٌ على الفور، لا يجوز تأخيرها، فمتى أخَّرها عصى بالتَّأخير. فإذا تاب من الذَّنب بقي عليه توبةٌ أخرى، وهي توبتُه من تأخير التَّوبة. وقلَّ أن يخطر هذا ببال التَّائب، بل عنده: إذا تاب من الذَّنب لم يبق عليه شيءٌ آخر، وقد بقي عليه التَّوبةُ من تأخير التّوبة.
ولا ينجي من هذا إلّا توبةٌ عامّةٌ ممَّا يعلم من ذنوبه وممَّا لا يعلم، فإنَّ ما لا يعلمه العبدُ من ذنوبه أكثَرُ ممَّا يعلمه. ولا ينفعه في عدم المؤاخذة بها جهلُه إذا كان متمكِّنًا من العلم، فإنَّه عاصٍ بترك العلم والعمل، فالمعصيةُ في حقِّه أشدُّ.
وفي "صحيح ابن حِبَّان"١ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "الشِّرك في هذه الأمَّة
(١) وكذا في "الداء والدواء" (ص ٣٠٢)، و"مجموع الفتاوى" (٧/ ٥٢٤). وإنما أخرجه ابن حبان في "المجروحين" (٢/ ٤٨٣) وابن عدي في "الكامل" (١٠/ ٦٢٢) من حديث أبي بكر الصديق ﵁، أخرجاه في ترجمة يحيى بن كثير أبي النضر، وهو علته إذ ليس ممن يحتج به. وله طريق آخر أحسن منه عند البخاري في "الأدب المفرد" (٧١٦) وأبي يعلى (٥٨ - ٦١)، وفي إسناده ليث بن أبي سليم، فيه لين وقد اضطرب، وشيخه مجهول. وله شواهد من حديث أبي موسى ﵁ عند أحمد (١٩٦٠٦)، وأم المؤمنين عائشة ﵂ عند البزار (٣٥٦٦ - كشف الأستار) والعقيلي (٣/ ٥٤٠)، ومجاهد مرسلًا عند هنَّاد في "الزهد" (٨٤٩)، وابن مسعود ﵁ موقوفًا عند وكيع في "الزهد" (٣٠٤)، وكلها لا تخلو من مقال. والحديث صححه الألباني في "الأدب المفرد".