مدارج السالكين

أخفى من دبيب النّمل". فقال أبو بكرٍ ﵁: فكيف الخلاص منه يا رسول الله؟ قال: "أن تقول: اللهمَّ إنِّي أعوذ بك أن أُشْرِك بك وأنا أعلم، وأستغفرُك لما لا أعلم".

فهذا طلبُ الاستغفار ممّا يعلم الله أنّه ذنبٌ، ولا يعلمه العبدُ.

وفي "الصَّحيح"١ عنه ﷺ أنّه كان يدعو في صلاته: "اللهمَّ اغفر لي خطيئتي وجهلي، وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به منِّي. اللهمَّ اغفر لي جِدِّي وهَزْلي، وخطئي وعَمْدي، وكلُّ ذلك عندي. اللهمَّ اغفر لي ما قدَّمتُ وما أخَّرتُ، وما أسررتُ وما أعلنتُ٢، أنت إلهي لا إله إلّا أنت".

وفي الحديث الآخر: "اللهمَّ اغفِرْ لي ذنبي كلَّه، دِقَّه وجِلَّه، سرَّه وعلانيتَه، أوّلَه وآخرَه"٣.

فهذا التَّعميمُ وهذا الشُّمولُ لتأتيَ التَّوبةُ على ما علِمَ العبدُ من ذنوبه وما لم يعلمه.

  1. (١) أخرجه البخاري (٦٣٩٨)، ومسلم (٢٧١٩) من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.
  2. (٢) في ع هنا زيادة: "وما أنت أعلم به منّي".
  3. (٣) أخرجه مسلم (٤٨٣) من حديث أبي هريرة ﵁.
423

فصل

وهل تصحُّ التّوبة من ذنبٍ مع الإصرار على غيره؟

فيه قولان لأهل العلم، وهما روايتان عن الإمام أحمد ﵁١،

ولم يطَّلع على الخلاف مَن حكى الإجماعَ على صحّتها كالنَّواويِّ٢ وغيره.

والمسألة مشكلةٌ، ولها غورٌ، ويحتاج الجزمُ بأحد القولين إلى دليلٍ يحصل به الجزم.

  1. (١) وردت هنا حاشية في ش منقولة من أصلها: "المحققون من أصحاب الإمام أحمد على أنه لا خلاف عنه في هذه المسألة، وهي طريقة جماعة من متقدميهم كابن شاقلا وغيره. وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وقد بسط الكلام عليها في شرح دعوة ذي النون ﵊، وبيَّن أن القول الآخر هو قول الخوارج والمعتزلة المكفِّرين بالذنبِ المخلِّدين به في النار [وأنكر صحةَ] ذلك عن أحمد إنكارًا شديدًا وقال: هو قولٌ مبتدَع لم يعرف عن أحد من السلف".
    وفي "مختصر الفتاوى المصرية" (ص ١٣٧) أن القاضي وابن عقيل حكيا القول بعدم صحتها عن أحمد، والمعروف هو الأول. ثم ذكر رواية المرُّوذي التي بني عليها هذا القول وفسَّر مراد الإمام أحمد. وانظر نحوه في "مجموع الفتاوى" (١٠/ ٣٢٠) و(١٥/ ٣٧٤) وحكى ابن أبي يعلى الروايتين في "التمام" (٢/ ٣١٩) وذكر أن رواية صحة التوبة اختارها والده وشيخ والده. والأخرى اختارها أبو بكر عبد العزيز وابن شاقلا، وصرَّح ابن عقيل في "الإرشاد" ــ كما في "الآداب الشرعية" (١/ ٥٦) ــ بأنها اختياره وأنها قول جمهور المتكلمين. وانظر: "المعتمد" لأبي يعلى (ص ٢٠٣).
  2. (٢) الذي في "شرحه لصحيح مسلم" (١٧/ ٥٩ - ٦٠) أنَّ صحَّتها مذهب أهل السنة خلافًا للمعتزلة. وفي "رياض الصالحين" (ص ٣٤) أنها تصح عند أهل الحق من ذلك الذنب ويبقى الباقي.
424

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي