مدارج السالكين

المُسْكِر، وهو مصرٌّ على غيره من الأشربة المُسْكِرة= فهذا في الحقيقة لم يتُبْ من الذّنب، وإنّما عدَل من نوعٍ منه إلى نوعٍ آخر. بخلاف من عدَل من معصيةٍ إلى معصيةٍ أخرى غيرها في الجنس، إمَّا لأنَّ وزرَها أخفُّ، وإمّا لغلبةِ دواعي الطَّبع إليها وقهرِ سلطان شهوتها له، وإمّا لأنَّ أسبابَها حاضرةٌ لديه عتيدةٌ، لا يحتاج إلى استدعائها بخلاف معصيةٍ يحتاج إلى استدعاء١ أسبابها، وإمَّا لاستحواذ قُرنائه وخُلطائه عليه، فلا يدَعُونه يتوبُ منها، وله بينهم حُظوةٌ بها وجاهٌ، فلا تطاوعه نفسُه على إفساد جاهه بالتَّوبة، كما قال أبو نواسٍ لأبي العَتَاهِيَة وقد لامه على تهتُّكه في المعاصي:

أتراني يا عَتاهيتاركًا تلك الملاهي
أتراني مفسدًا بالنْـنُسْكِ عند القوم جاهي٢

فمثلُ هذا إذا تاب من قتل النَّفس، وسرقَة٣ أموال المعصومين، وأكل أموال اليتامى، ولم يتُب من شرب الخمر والفاحشة= صحَّت توبتُه فيما٤ تاب منه ولم يؤاخَذ به، وبقي مؤاخَذًا بما هو مصرٌّ عليه. والله أعلم٥.

فصل

ومن أحكام التّوبة: أنَّه هلُ يشترط في صحَّتها أن لا يعود إلى الذَّنب أبدًا،

  1. (١) م، ش: "لاستدعاء".
  2. (٢) من خمسة أبيات في "ديوان أبي نواس" (٥/ ٢٣٥ - النشرات الإسلامية).
  3. (٣) ما عدا ج: "بسرقة".
  4. (٤) في ع: "ممَّا".
  5. (٥) في الأصل بإزاء هذا السطر: "بلغ مقابلة وقراءة على مصنفه ﵁ ".
427

أم ليس ذلك بشرطٍ؟

فشرَط بعضُ النَّاس عدمَ معاودة الذَّنب، وقال: متى عاد إليه تبيَّنَّا أنَّ التَّوبةَ كانت باطلةً غيرَ صحيحة.

والأكثرون على أنَّ ذلك ليس بشرطٍ، وإنَّما صحَّةُ التَّوبة تتوقَّف على الإقلاع عن الذّنب، والنَّدم عليه، والعزم الجازم على ترك معاودته. فإن كانت في حقِّ آدميٍّ فهل يشترط تحلُّلُه؟ فيه تفصيلٌ سنذكره إن شاء الله تعالى. فإذا عاوده مع عزمه حالَ التَّوبة على أن لا يعاوده، صار كمن ابتدأ المعصيةَ، ولم تبطل توبتُه المتقدِّمة١.

والمسألةُ مبنيَّةٌ على أصلٍ، وهو: أنَّ العبد إذا تاب من الذَّنب ثمَّ عاوده، فهل يعود إليه إثمُ الذَّنب الذي كان قد تاب منه ثمَّ عاوده، بحيث يستحقُّ العقوبة على الأوّل والآخر إن مات مصرًّا؟ أو أنّ ذلك قد بطل بالكلِّيّة، فلا يعود إثمُه، وإنَّما يعاقَب على هذا الأخير؟

وفي هذا الأصل قولان٢:

فقالت طائفةٌ: يعود إليه إثمُ الذَّنب الأوّل لفساد التَّوبة وبطلانها بالمعاودة.

قالوا: لأنَّ التَّوبةَ من الذَّنب بمنزلة الإسلام من الكفر، والكافرُ إذا أسلم هدَم إسلامُه ما قبله من إثم الكفر وتوابعه؛ فإن ارتدَّ عاد إليه الإثم الأوَّلُ مع

  1. (١) انظر: "الإرشاد" للجويني (ص ٤٠٩)، و"شرح صحيح مسلم" للنووي (٢/ ٤٥).
  2. (٢) حكاهما الأشعري في "مقالات الإسلاميين" (ص ٢٧٢) للمعتزلة. وذكر النووي في "شرح صحيح مسلم" (١٧/ ٦٠) أن مذهب أهل السنة معاقَبته على الذنب الثاني.
428

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي