إثم الرِّدّة، كما ثبت في "الصَّحيح"١ عن النَّبيِّ ﷺ أنّه قال: "مَن أحسَنَ في الإسلام لم يُؤاخَذْ بما عمِل في الجاهليّة، ومن أساء في الإسلام أُخِذَ بالأوَّل والآخِر". فهذا حالُ من أسلم وأساء في إسلامه. ومعلومٌ أنَّ الرِّدَّة من أعظم الإساءة في الإسلام، فإذا أُخِذَ بعدها بما كان في حال كفره، ولم يُسْقِطه الإسلامُ المتخلِّلُ بينهما، فهكذا التّوبةُ المتخلِّلةُ بين الذَّنبين لا تُسقِط الإثمَ السَّابقَ، كما لا تمنع الإثمَ اللَّاحقَ.
قالوا: ولأنَّ صحَّةَ التَّوبة مشروطةٌ باستمرارها والموافاة عليها، والمعلَّقُ على الشَّرط٢ عدَمٌ عند عدم الشّرط، كما أنَّ صحَّةَ الإسلام مشروطةٌ باستمراره والموافاة عليه.
قالوا: والتَّوبةُ واجبةٌ وجوبًا مضيَّقًا بزمن العمر٣، فوقتُها مدَّةُ العمر، إذ يجب عليه استصحابُ حكمها في مدَّة عمره. فهي بالنِّسبة إلى العمر كالإمساك عن المفطِّرات في صوم اليوم، فإذا أمسك معظمَ النَّهار، ثمّ نقَضَ إمساكَه بالمفطِّر بطَل ما تقدَّمه، ولم يُعتدَّ به، وكان بمنزلة من لم يمسك شيئًا من يومه.
قالوا: ويدلُّ على هذا الحديثُ الصَّحيحُ، وهو قوله ﷺ: "إنَّ العبدَ لَيعملُ بعمل أهل الجنّة حتّى ما يكون بينه وبينها إلّا ذراعٌ، فيسبِقُ عليه الكتابُ، فيعملُ بعمل أهل النَّار فيدخلُها"٤. وهذا أعمُّ من أن يكون هذا
(١) أخرجه البخاري (٦٩٢١)، ومسلم (١٢٠) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁.
(٢) ج، م، ش: "هذا الشرط"، وكذا كان في الأصل ثم طُمِس "هذا".
(٣) ج، م، ش، ع: "مدى العمر"، وكذا كان في ل، فعدِّل كما أثبت من الأصل.
(٤) أخرجه البخاري (٣٢٠٨)، ومسلم (٢٦٤٣) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁.
العملُ الثّاني كفرًا موجبًا للخلود أو معصيةً موجبةً للدُّخول، فإنَّه لم يقل: "فيرتدُّ فيفارقُ الإسلامَ"، وإنّما أخبر بأنَّه يعمل بعملٍ موجبٍ١ له النَّار. وفي بعض "السُّنن"٢: "إنَّ العبدَ لَيعمل بطاعة الله ستِّين سنةً، فإذا كان عند الموت جار في وصيَّته فدخل النَّارَ". فالخاتمةُ السّيِّئةُ أعمُّ من أن تكون خاتمةً بكفرٍ أو بمعصيةٍ، والأعمالُ بالخواتيم.
فإن قيل: فهذا٣ يلزم منه إحباطُ الحسنات بالسّيِّئات، وهذا قول المعتزلة٤، والقرآنُ والسُّنةُ قد دلَّا على أنَّ الحسناتِ هي التي تُحبط السّيِّئات لا العكس، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾[هود: ١١٤]. وقال النّبيُّ ﷺ لمعاذٍ: "اتّق الله حيثما كنتَ، وأتبِعِ السّيِّئةَ الحسنةَ تمحُها، وخالقِ النَّاسَ بخلُقٍ حسنٍ"٥.
(١) ج، ش، ع: "يوجب".
(٢) أخرجه أبو داود (٢٨٦٧) والترمذي (٢١١٧) وابن ماجه (٢٧٠٤) وغيرهم من طريق الأشعث بن جابر عن شهر بن حوشب عن أبي هريرة ﵁ بنحوه، وشهر بن حوشب فيه لين وقد تفرد به. وينظر "ضعيف أبي داود- الأم" (٢/ ٣٩٠) و"نزهة الألباب" للوائلي (٥/ ٢٩٧٨ - ٢٩٧٩).
(٥) أخرجه أحمد (٢٢٠٥٩) والترمذي عقب (١٩٨٧) وغيرهما من حديث معاذ بن جبل ﵁، ونقل الترمذي عن شيخه محمود بن غيلان أن الصحيح أنه من مسند أبي ذر؛ كما عند أحمد (٢١٣٥٤، ٢١٤٠٣) والترمذي (١٩٨٧) وغيرهما، وقال أحمد في الموضع الثاني: "وكان حدثنا به وكيع عن ميمون بن أبي شبيب عن معاذ ثم رجع". والحديث على كلا التقديرين منقطع؛ إذ ميمون بن أبي شبيب لم يدرك معاذًا ولا أبا ذر ﵁. وقال الدارقطني في "العلل" (٩٨٧) بعد عرض طرقه: "وكأن المرسل أشبه بالصواب". وينظر: "جامع العلوم والحكم" (الحديث الثامن عشر) و"الصحيحة" (٣/ ٣٦٢).