مدارج السالكين

العملُ الثّاني كفرًا موجبًا للخلود أو معصيةً موجبةً للدُّخول، فإنَّه لم يقل: "فيرتدُّ فيفارقُ الإسلامَ"، وإنّما أخبر بأنَّه يعمل بعملٍ موجبٍ١ له النَّار. وفي بعض "السُّنن"٢: "إنَّ العبدَ لَيعمل بطاعة الله ستِّين سنةً، فإذا كان عند الموت جار في وصيَّته فدخل النَّارَ". فالخاتمةُ السّيِّئةُ أعمُّ من أن تكون خاتمةً بكفرٍ أو بمعصيةٍ، والأعمالُ بالخواتيم.

فإن قيل: فهذا٣ يلزم منه إحباطُ الحسنات بالسّيِّئات، وهذا قول المعتزلة٤، والقرآنُ والسُّنةُ قد دلَّا على أنَّ الحسناتِ هي التي تُحبط السّيِّئات لا العكس، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]. وقال النّبيُّ ﷺ لمعاذٍ: "اتّق الله حيثما كنتَ، وأتبِعِ السّيِّئةَ الحسنةَ تمحُها، وخالقِ النَّاسَ بخلُقٍ حسنٍ"٥.

  1. (١) ج، ش، ع: "يوجب".
  2. (٢) أخرجه أبو داود (٢٨٦٧) والترمذي (٢١١٧) وابن ماجه (٢٧٠٤) وغيرهم من طريق الأشعث بن جابر عن شهر بن حوشب عن أبي هريرة ﵁ بنحوه، وشهر بن حوشب فيه لين وقد تفرد به. وينظر "ضعيف أبي داود- الأم" (٢/ ٣٩٠) و"نزهة الألباب" للوائلي (٥/ ٢٩٧٨ - ٢٩٧٩).
  3. (٣) ش: "هذا".
  4. (٤) انظر: "الإرشاد" للجويني (ص ٣٨٩ - ٣٩٠)، و"مجموع الفتاوى" (١٠/ ٣٢١ - ٣٢٢، ٦٣٧ - ٦٣٨).
  5. (٥) أخرجه أحمد (٢٢٠٥٩) والترمذي عقب (١٩٨٧) وغيرهما من حديث معاذ بن جبل ﵁، ونقل الترمذي عن شيخه محمود بن غيلان أن الصحيح أنه من مسند أبي ذر؛ كما عند أحمد (٢١٣٥٤، ٢١٤٠٣) والترمذي (١٩٨٧) وغيرهما، وقال أحمد في الموضع الثاني: "وكان حدثنا به وكيع عن ميمون بن أبي شبيب عن معاذ ثم رجع". والحديث على كلا التقديرين منقطع؛ إذ ميمون بن أبي شبيب لم يدرك معاذًا ولا أبا ذر ﵁. وقال الدارقطني في "العلل" (٩٨٧) بعد عرض طرقه: "وكأن المرسل أشبه بالصواب". وينظر: "جامع العلوم والحكم" (الحديث الثامن عشر) و"الصحيحة" (٣/ ٣٦٢).
430

قيل: والقرآنُ والسُّنّةُ أيضًا قد دلَّا على الموازنة وإحباطِ الحسنات بالسّيِّئات، فلا يُضرَبُ كتابُ الله بعضُه ببعضٍ. ولا يُرَدُّ القولُ بمجرَّد كون المعتزلة قالوه، فعلَ١ أهلِ الهوى والتّعصُّب، بل يُقبلُ الحقُّ ممَّن قاله، ويُرَدُّ الباطلُ على من قاله.

فأمَّا الموازنةُ فمذكورةٌ في سورة الأعراف٢، والأنبياء٣، والمؤمنين٤، والقارعة٥.

وأمَّا الإحباطُ، فقد قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا

  1. (١) في ش وضع بعضهم قبله إشارة اللحق، وكتب في الهامش: "فإنه" مع علامة صح، وفوقه حرف الظاء، يعني أن الظاهر عنده سقوط "فإنه" من النص. والنص سليم لا سقط فيه.
  2. (٢) ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ٨ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ ٩﴾.
  3. (٣) ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ٤٧﴾.
  4. (٤) ج، ش: "المؤمنون"، وكذا غيِّر في ل. قال تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ١٠٢ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ ١٠٣﴾.
  5. (٥) ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ ٦ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ ٧ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ ٨ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ ٩﴾.
431

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي