مدارج السالكين

وعلى هذا، فهل يُحبِطُ الرَّاجحُ المرجوحَ حتّى يجعله كأن لم يكن، أو يُحبِط ما قابله بالموازنة، ويبقى التّأثيرُ للقدر الزَّائد؟

فيه قولان للقائلين بالموازنة، ينبني عليهما أنّه١ إذا كانت الحسناتُ أرجحَ من السّيِّئات بواحدةٍ مثلًا٢، فهل يدفع الرَّاجحُ المرجوحَ جملةً؟ فيثاب على الحسنات كلِّها، أو يسقط من الحسنات ما قابلَ السّيِّئاتِ فلا يثاب عليه، ولا يعاقَب على تلك السّيِّئات، فيبقى القدرُ الزّائدُ لا مقابلَ له، فيثابُ عليه وحده؟ وهذا٣ الأصل فيه قولان لأصحاب الموازنة. وكذلك إذا رجحت السّيِّئاتُ بواحدةٍ، هل يدخل النَّارَ بتلك الواحدة التي سَلِمت عن مقابلٍ، أو بكلِّ السّيِّئاتِ التي رجحت؟ على القولين٤.

هذا كلُّه على أصل أصحاب التَّعليل والحِكَم.

وأمّا على أصول الجبريّةِ نُفاةِ التَّعليل والحِكَم والأسباب واقتضائها للثَّواب والعقاب، فالأمرُ مردودٌ عندهم إلى محض المشيئة، من غير اعتبار شيءٍ من ذلك. ولا يدرى عندهم ما يفعل الله، بل يجوز عندهم أن يعاقِبَ صاحبَ الحسنات الرّاجحة، ويثيبَ صاحبَ السّيِّئات الرَّاجحة، ويُدخِلَ الرَّجلين النَّارَ مع استوائهما في العمل وأحدُهما في الدَّرك تحت الآخر، ويغفرَ

  1. (١) لم يرد "أنه" في ل، ش، وهو مستدرك في هامش الأصل.
  2. (٢) "مثلًا" ساقط من ش.
  3. (٣) ع: "هذا" دون الواو قبلها.
  4. (٤) وانظر: "طريق الهجرتين" (٢/ ٨٢٨).
434

لزيدٍ ويعاقبَ عمرًا مع استوائهما من جميع الوجوه، ويُنَعِّمَ من لم يُطِعه قطُّ، ويعذِّب من لم يعصه قطُّ! فليس عندهم سببٌ ولا حكمةٌ، ولا علّةٌ، ولا موازنةٌ، ولا إحباطٌ، ولا تدافُعٌ بين السيئات والحسنات. والخوفُ على المحسن والمسيء واحدٌ، إذ من الجائز تعذيبُهما. وكلُّ مقدورٍ له فجائزٌ عليه، لا يُعلَمُ امتناعُه إلَّا بإخبار الرَّسول أنّه لا يكون، فيمتنع وقوعُه لمطابقة خبرِه العلَم١ بعدمِ وقوعه.

فصل

واحتجَّ الفريقُ الآخَر ــ وهم القائلون بأنَّه لا يعود إليه إثمُ الذَّنب الذي تاب منه بنقض التَّوبة ــ بأنَّ ذلك الإثمَ قد ارتفع بالتَّوبة، وصار بمنزلة ما لم يعمله، وكأنّه لم يكن، فلا يعودُ إليه بعد ذلك؛ وإنّما العائدُ إثمُ المستأنَف لا الماضي.

قالوا: ولا يُشترَط في صحَّةِ التَّوبة العصمةُ إلى الممات، بل إذا ندِم وأقلَعَ وعزَم على التَّرك مُحِيَ عنه إثمُ الذَّنب بمجرَّد ذلك، فإذا استأنفه استأنفَ إثمه.

قالوا: وليس هذا كالكفر الذي يُحبِط الأعمال، فإنَّ الكفرَ له شأنٌ آخر ولهذا يُحبِط جميع الحسنات، ومعاودةُ الذَّنب لا تُحبِط ما تقدّمَه من الحسنات.

قالوا: والتّوبةُ من أكبر الحسنات، فلو أبطلَها معاودةُ الذَّنب لأبطَلَ غيرَها من الحسنات. وهذا باطلٌ قطعًا، وهو يشبه مذهبَ الخوارج المكفِّرين

  1. (١) ع: "لعلم الله ﷿".
435

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي