قالوا: ولأنَّ الذَّنبَ عزمٌ جازمٌ على فعل المحرَّم يقترن به فعلُه المقدورُ، والتَّوبةُ منه١ عزمٌ جازمٌ على التَّرك المقدور يقترن به التَّركُ، والعزمُ على غير المقدور محالٌ، والتَّركُ في حقِّ هذا ضروريٌّ لازمٌ غيرُ مقدورٍ له، بل هو بمنزلة تركه للطيران إلى السَّماء وحملِ الجبال٢ ونحو ذلك.
والقول الثَّاني ــ وهو الصَّواب ــ أنَّ توبتَه صحيحةٌ ممكنةٌ، بل واقعةٌ؛ فإنَّ أركانَ التَّوبة مجتمعةٌ فيه، والمقدورُ له منها النَّدم. وفي "المسند"٣ مرفوعًا: "النَّدَمُ توبةٌ". فإذا تحقَّق ندمُه على الذَّنب ولومُه نفسَه عليه، فهذه توبتُه. وكيف يصحُّ أن تُسلَب التَّوبةُ عنه، مع شدَّة ندمه على الذَّنب، ولومِه نفسَه عليه؟ ولا سيَّما ما يتبعُ ذلك من بكائه وحزنه٤ وخوفه، وعزمِه الجازم، ونيَّتِه أنّه لو كان صحيحًا والفعلُ مقدورًا له= لما فَعَله.
وإذا كان الشّارعُ قد نزَّل العاجزَ عن الطَّاعة منزلةَ الفاعل لها إذا صحَّت نيّتُه، كقوله في الحديث الصَّحيح: "إذا مرِض العبدُ أو سافرَ كُتِبَ له ما كان يعملُ صحيحًا مقيمًا"٥، وفي "الصّحيح"٦ أيضًا عنه: "إنّ بالمدينة أقوامًا ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا إلّا كانوا معكم". قالوا: وهم بالمدينة؟ قال:
(١) "منه" ساقط من ش.
(٢) ع: "ضروري ولازم غير مقدور، بل ... ترك الطيران ... ونقل الجبال".
(٣) تقدَّم تخريجه.
(٤) "وحزنه" من ع.
(٥) أخرجه البخاري (٢٩٩٦) من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.
(٦) أخرجه البخاري (٤٤٢٣) من حديث أنس ﵁. وانظر: حديث جابر ﵁ في "صحيح مسلم" (١٩١١).
"وهم بالمدينة، حبَسهم العذرُ". وله نظائر في الحديث. فتنزيلُ العاجزِ عن المعصية، التّاركِ لها قهرًا ــ مع نيّته تركَها اختيارًا لو أمكنته ــ منزلةَ التَّاركِ المختارِ أولى.
يوضِّحه: أنَّ مفسدةَ الذَّنب التي يترتَّب عليها الوعيدُ تنشأ من العزم عليه تارةً ومن فعله تارةً، ومنشأُ المفسدة معدومٌ في حقِّ هذا العاجز فعلًا وعزمًا، والعقوبةُ تابعةٌ للمفسدة.
وأيضًا فإنَّ هذا تعذَّر منه الفعلُ، لم يتعذَّر منه التَّمنِّي والوِدادُ، فإذا كان يتمنّى ويودُّ لو واقَعَ الذَّنبَ، ومن نيَّته أنَّه١ لو كان سليمًا لباشَرَه، فتوبتُه بالإقلاع عن هذا الوِداد والتَّمنِّي والحزنِ على فوته، فإنَّ الإصرارَ متصوَّرٌ في حقِّه قطعًا، فيتصوَّر٢ في حقِّه ضدُّه وهو التَّوبة، بل هي أولى بالإمكان والتَّصوُّر من الإصرار. وهذا واضحٌ.
والفرقُ بين هذا وبين المعايِن ومَن ورد القيامة: أنَّ التَّكليفَ قد انقطع بالمعاينة ووِرْدِ القيامة٣، والتَّوبةُ إنّما تكون في زمن التَّكليف، وهذا العاجز لم ينقطع عنه التّكليفُ، فالأوامر والنّواهي لازمةٌ له، والكفُّ متصوَّرٌ منه عن التّمنِّي والوِداد والأسفِ على فوته، وتبديلُ ذلك بالنَّدَم والحزنِ على فعله. والله أعلم.