"وهم بالمدينة، حبَسهم العذرُ". وله نظائر في الحديث. فتنزيلُ العاجزِ عن المعصية، التّاركِ لها قهرًا ــ مع نيّته تركَها اختيارًا لو أمكنته ــ منزلةَ التَّاركِ المختارِ أولى.
يوضِّحه: أنَّ مفسدةَ الذَّنب التي يترتَّب عليها الوعيدُ تنشأ من العزم عليه تارةً ومن فعله تارةً، ومنشأُ المفسدة معدومٌ في حقِّ هذا العاجز فعلًا وعزمًا، والعقوبةُ تابعةٌ للمفسدة.
وأيضًا فإنَّ هذا تعذَّر منه الفعلُ، لم يتعذَّر منه التَّمنِّي والوِدادُ، فإذا كان يتمنّى ويودُّ لو واقَعَ الذَّنبَ، ومن نيَّته أنَّه١ لو كان سليمًا لباشَرَه، فتوبتُه بالإقلاع عن هذا الوِداد والتَّمنِّي والحزنِ على فوته، فإنَّ الإصرارَ متصوَّرٌ في حقِّه قطعًا، فيتصوَّر٢ في حقِّه ضدُّه وهو التَّوبة، بل هي أولى بالإمكان والتَّصوُّر من الإصرار. وهذا واضحٌ.
والفرقُ بين هذا وبين المعايِن ومَن ورد القيامة: أنَّ التَّكليفَ قد انقطع بالمعاينة ووِرْدِ القيامة٣، والتَّوبةُ إنّما تكون في زمن التَّكليف، وهذا العاجز لم ينقطع عنه التّكليفُ، فالأوامر والنّواهي لازمةٌ له، والكفُّ متصوَّرٌ منه عن التّمنِّي والوِداد والأسفِ على فوته، وتبديلُ ذلك بالنَّدَم والحزنِ على فعله. والله أعلم.
(١) "أنه" من ع.
(٢) ش: "فيتعيَّن"، ولعله تحريف.
(٣) ج، م، ع: "ورود القيامة".
فصل
ومن أحكامها: أنَّ مَن توغَّل ذنبًا، وعزَم على التّوبة منه، ولا يمكنه التّوبةُ منه إلّا بارتكاب معصية١، كمن أولَجَ في فرجٍ حرامٍ، ثمّ عزَم على التَّوبة قبل النَّزع الذي هو جزءُ الوطء؛ وكمن توسَّط أرضًا مغصوبةً، ثمَّ عزم على التَّوبة، ولا يمكنه إلّا بالخروج الذي هو مشيٌ فيها وتصرُّفٌ، فكيف يتوبُ من الحرام بحرامٍ مثله؟ وهل تُعقَل٢ التَّوبةُ من الحرام بالحرامٍ؟٣.
فهذا ممّا أشكل على بعض النَّاسِ، حتّى دعاه ذلك إلى أن قال بسقوط التَّكليف عنه في هذا الفعل الذي يتخلَّص به من الحرام. قال: لأنَّه لا يمكن أن يكون مأمورًا به وهو حرامٌ، وقد تعيَّن في حقِّه طريقًا للخلاص من الحرام، لا يمكن التّخلُّصُ بدونه، فلا حكمَ في هذا الفعل البتّة، وهو بمنزلة العفو الذي لا يدخل تحت التَّكليف.
وقالت طائفةٌ: بل هو حرامٌ واجبٌ، فهو ذو وجهين: مأمورٌ به من أحدهما، منهيٌّ عنه من الآخر. فيؤمر به من حيث تعيُّنه طريقًا للخلاص من الحرام، وهو من هذا الوجه واجبٌ؛ ويُنهى عنه من جهة كونه مباشرةً للحرام، وهو من هذا الوجه محرَّمٌ= فيستحقُّ عليه الثَّوابَ والعقابَ.
قالوا: ولا يمتنع كونُ الفعل في الشَّرع ذا وجهين مختلفين، كالاشتغال عن الحرام بالمباح، فإنَّ المباحَ إذا نظرنا إلى ذاته ــ مع قطع النّظر عن ترك