مدارج السالكين

فصل

ومن أحكامها: أنَّ مَن توغَّل ذنبًا، وعزَم على التّوبة منه، ولا يمكنه التّوبةُ منه إلّا بارتكاب معصية١، كمن أولَجَ في فرجٍ حرامٍ، ثمّ عزَم على التَّوبة قبل النَّزع الذي هو جزءُ الوطء؛ وكمن توسَّط أرضًا مغصوبةً، ثمَّ عزم على التَّوبة، ولا يمكنه إلّا بالخروج الذي هو مشيٌ فيها وتصرُّفٌ، فكيف يتوبُ من الحرام بحرامٍ مثله؟ وهل تُعقَل٢ التَّوبةُ من الحرام بالحرامٍ؟٣.

فهذا ممّا أشكل على بعض النَّاسِ، حتّى دعاه ذلك إلى أن قال بسقوط التَّكليف عنه في هذا الفعل الذي يتخلَّص به من الحرام. قال: لأنَّه لا يمكن أن يكون مأمورًا به وهو حرامٌ، وقد تعيَّن في حقِّه طريقًا للخلاص من الحرام، لا يمكن التّخلُّصُ بدونه، فلا حكمَ في هذا الفعل البتّة، وهو بمنزلة العفو الذي لا يدخل تحت التَّكليف.

وقالت طائفةٌ: بل هو حرامٌ واجبٌ، فهو ذو وجهين: مأمورٌ به من أحدهما، منهيٌّ عنه من الآخر. فيؤمر به من حيث تعيُّنه طريقًا للخلاص من الحرام، وهو من هذا الوجه واجبٌ؛ ويُنهى عنه من جهة كونه مباشرةً للحرام، وهو من هذا الوجه محرَّمٌ= فيستحقُّ عليه الثَّوابَ والعقابَ.

قالوا: ولا يمتنع كونُ الفعل في الشَّرع ذا وجهين مختلفين، كالاشتغال عن الحرام بالمباح، فإنَّ المباحَ إذا نظرنا إلى ذاته ــ مع قطع النّظر عن ترك

  1. (١) ل، ج: "بعضه".
  2. (٢) كذا في ج، وأهمل حرف المضارعة في غيرها.
  3. (٣) انظر: "المسوَّدة في أصول الفقه" (ص ٨٥).
444

الحرام به ــ قضَينا بإباحته، وإذا اعتبرناه من جهة كونه تاركًا للحرام به كان واجبًا. نعم، غايتُه أنَّه لا يتعيَّن مباحٌ دون مباحٍ، فيكون واجبًا مخيَّرًا.

قالوا: وكذلك الصَّلاةُ في الدَّار المغصوبة، هي حرامٌ وهي واجبةٌ، وسترُ العورة بثوب الحرير كذلك حرامٌ واجبٌ، من وجهين مختلفين.

والصَّواب: أنَّ هذا النَّزعَ والخروجَ من الأرض توبةٌ ليس بحرامٍ، إذ هو مأمورٌ به قطعًا، ومحالٌ أن يؤمرَ بالحرام، وإنّما كان النَّزعُ الذي هو جزء الوطء حرامًا لقصد التّلذُّذِ به وتكميلِ الوطء. وأمّا النَّزعُ الذي يُقْصَد به مفارقةُ الحرام ويقطَعُ لذَّةَ المعصية١، فلا دليل على تحريمه، لا من نصٍّ ولا إجماعٍ ولا قياسٍ صحيحٍ يستوي فيه الأصلُ والفرعُ في علّةَ الحكم. ومحالٌ خلوُّ هذه الحادثة عن حكمٍ لله فيها، وحكمُه فيها: الأمرُ بالنَّزع قطعًا، وإلّا كانت الاستدامةُ مباحةً، وذلك عينُ المحال.

وكذلك الخروجُ من الأرض٢ مأمورٌ به، وإنّما تكون الحركةُ والتَّصرُّف في ملك الغير حرامًا إذا كان على وجه الانتفاع بها المتضمِّنِ لإضرار مالكها. أمَّا إذا كان لقصدِ تركِ الانتفاع وإزالةِ الضَّرر عن المالك، فلم يحرِّم الله ولا رسولُه ذلك، ولا دلَّ على تحريمه نظرٌ صحيحٌ ولا قياسٌ صحيحٌ. وقياسُه على مشيِ٣ مستديمِ الغَصْب وقياسُ نزع التّائب على نزع المستديم: من أفسَدِ القياس وأبينه بطلانًا.

  1. (١) ع: "وقطعُ لذَّة المعصية".
  2. (٢) يعني المغصوبة كما ذكر في المسألة.
  3. (٣) لفظ "مشي" ساقط من ش.
445

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي