الحرام به ــ قضَينا بإباحته، وإذا اعتبرناه من جهة كونه تاركًا للحرام به كان واجبًا. نعم، غايتُه أنَّه لا يتعيَّن مباحٌ دون مباحٍ، فيكون واجبًا مخيَّرًا.
قالوا: وكذلك الصَّلاةُ في الدَّار المغصوبة، هي حرامٌ وهي واجبةٌ، وسترُ العورة بثوب الحرير كذلك حرامٌ واجبٌ، من وجهين مختلفين.
والصَّواب: أنَّ هذا النَّزعَ والخروجَ من الأرض توبةٌ ليس بحرامٍ، إذ هو مأمورٌ به قطعًا، ومحالٌ أن يؤمرَ بالحرام، وإنّما كان النَّزعُ الذي هو جزء الوطء حرامًا لقصد التّلذُّذِ به وتكميلِ الوطء. وأمّا النَّزعُ الذي يُقْصَد به مفارقةُ الحرام ويقطَعُ لذَّةَ المعصية١، فلا دليل على تحريمه، لا من نصٍّ ولا إجماعٍ ولا قياسٍ صحيحٍ يستوي فيه الأصلُ والفرعُ في علّةَ الحكم. ومحالٌ خلوُّ هذه الحادثة عن حكمٍ لله فيها، وحكمُه فيها: الأمرُ بالنَّزع قطعًا، وإلّا كانت الاستدامةُ مباحةً، وذلك عينُ المحال.
وكذلك الخروجُ من الأرض٢ مأمورٌ به، وإنّما تكون الحركةُ والتَّصرُّف في ملك الغير حرامًا إذا كان على وجه الانتفاع بها المتضمِّنِ لإضرار مالكها. أمَّا إذا كان لقصدِ تركِ الانتفاع وإزالةِ الضَّرر عن المالك، فلم يحرِّم الله ولا رسولُه ذلك، ولا دلَّ على تحريمه نظرٌ صحيحٌ ولا قياسٌ صحيحٌ. وقياسُه على مشيِ٣ مستديمِ الغَصْب وقياسُ نزع التّائب على نزع المستديم: من أفسَدِ القياس وأبينه بطلانًا.
(١) ع: "وقطعُ لذَّة المعصية".
(٢) يعني المغصوبة كما ذكر في المسألة.
(٣) لفظ "مشي" ساقط من ش.
ونحن لا ننكر كونَ الفعل الواحد يكون له وجهان، ولكن إذا تحقَّق النَّهيُ عنه والأمرُ به أمكن اعتبارُ وجهيه؛ فإنَّ الشَّارعَ أمرَ بستر العورة، ونهى عن لُبس الحرير، فهذا السَّاترُ لها بالحرير قد ارتكب الأمرَين، فصار فعلُه ذا وجهين.
فأمَّا١ محلُّ النِّزاع، فلم يتحقَّق فيه النَّهيُ عن النَّزع والخروجِ من الأرض من الشَّارع البتَّة، لا بقوله ولا بمعقول قوله، إلّا باعتبار هذا الفرد بفردٍ آخر، بينهما أشدُّ تباينٍ وأعظمُ فرقٍ في الحسِّ والعقل والفطرة والشَّرع.
وأمّا إلحاقُ هذا الفرد بالعفو فإن أريد به أنّه معفوٌّ له عن المؤاخذة به فصحيحٌ. وإن أريد أنَّه لا حكمَ لله فيه، بل هو بمنزلة فعل البهيمة والنَّائم والنّاسي والمجنون، فباطلٌ، إذ هؤلاءُ غير مخاطَبين، وهذا مخاطَبٌ بالنَّزع والخروج، فظهر الفرق. والله الموفِّق للصّواب.
فإن قيل: هذا يتأتّى لكم فيما إذا لم يكن في المفارقة بنزعٍ أو خروجٍ مفسدةٌ. فما تصنعون فيما إذا تضمَّن مفسدةً مثل مفسدة الإقامة، كمن توسَّط جماعةَ جرحى ليسلبهم٢، فطرح نفسَه على واحدٍ، إن أقام عليه قتَلَه بثِقَلِه، وإن انتقل عنه لم يجد بدًّا من انتقاله إلى مثله يقتلُه بثِقَلِه، وقد عزم على التَّوبة، فكيف تكون توبته؟٣.
(١) ع: "وأما".
(٢) ع: "لسلبهم".
(٣) هذه المسألة ألقاها أبو هاشم الجبائي. انظر الكلام عليها في "البرهان" للجويني (١/ ١٠٤)، و"الواضح" لابن عقيل (٥/ ٤٢٧)، و"المسوَّدة" (ص ٨٦)، و"مجموع الفتاوى" (١٦/ ٢٠).