مدارج السالكين

ونحن لا ننكر كونَ الفعل الواحد يكون له وجهان، ولكن إذا تحقَّق النَّهيُ عنه والأمرُ به أمكن اعتبارُ وجهيه؛ فإنَّ الشَّارعَ أمرَ بستر العورة، ونهى عن لُبس الحرير، فهذا السَّاترُ لها بالحرير قد ارتكب الأمرَين، فصار فعلُه ذا وجهين.

فأمَّا١ محلُّ النِّزاع، فلم يتحقَّق فيه النَّهيُ عن النَّزع والخروجِ من الأرض من الشَّارع البتَّة، لا بقوله ولا بمعقول قوله، إلّا باعتبار هذا الفرد بفردٍ آخر، بينهما أشدُّ تباينٍ وأعظمُ فرقٍ في الحسِّ والعقل والفطرة والشَّرع.

وأمّا إلحاقُ هذا الفرد بالعفو فإن أريد به أنّه معفوٌّ له عن المؤاخذة به فصحيحٌ. وإن أريد أنَّه لا حكمَ لله فيه، بل هو بمنزلة فعل البهيمة والنَّائم والنّاسي والمجنون، فباطلٌ، إذ هؤلاءُ غير مخاطَبين، وهذا مخاطَبٌ بالنَّزع والخروج، فظهر الفرق. والله الموفِّق للصّواب.

فإن قيل: هذا يتأتّى لكم فيما إذا لم يكن في المفارقة بنزعٍ أو خروجٍ مفسدةٌ. فما تصنعون فيما إذا تضمَّن مفسدةً مثل مفسدة الإقامة، كمن توسَّط جماعةَ جرحى ليسلبهم٢، فطرح نفسَه على واحدٍ، إن أقام عليه قتَلَه بثِقَلِه، وإن انتقل عنه لم يجد بدًّا من انتقاله إلى مثله يقتلُه بثِقَلِه، وقد عزم على التَّوبة، فكيف تكون توبته؟٣.

  1. (١) ع: "وأما".
  2. (٢) ع: "لسلبهم".
  3. (٣) هذه المسألة ألقاها أبو هاشم الجبائي. انظر الكلام عليها في "البرهان" للجويني (١/ ١٠٤)، و"الواضح" لابن عقيل (٥/ ٤٢٧)، و"المسوَّدة" (ص ٨٦)، و"مجموع الفتاوى" (١٦/ ٢٠).
446

قيل: توبةُ مثل هذا بالتزام أخفِّ المفسدتين، من الإقامة على الذَّنب المعيَّن أو الانتقال عنه. فإن تساوت مفسدةُ الإقامة على الذَّنب ومفسدةُ الانتقال عنه من كلِّ وجهٍ، فهذا يؤمر من التَّوبة بالمقدور له منها، وهو: النَّدَم والعزمُ الجازمُ على ترك المعاودة. وأمَّا الإقلاعُ فقد تعذَّر في حقِّه إلّا بالتزام مفسدةٍ أخرى مثلِ١ مفسدته.

فقيل: إنّه لا حكمَ لله في هذه الحادثة٢، لاستحالة ثبوت شيءٍ من الأحكام الخمسة فيها، إذ إقامتُه على الجريح تتضمَّن مفسدةَ قتله، فلا يؤمَر بها ولا هو مأذونٌ له فيها. وانتقالُه عنه يتضمَّن مفسدةَ قتلِه الآخرَ٣، فلا يؤمَر بالانتقال ولا يؤذن له فيه، فتعذَّر الحكمُ في هذه الحادثة، وعلى هذا فتتعذَّرُ التَّوبةُ منها.

والصّوابُ: أنّ التَّوبة غيرُ متعذِّرةٍ، ولله فيها حكمٌ؛ فإنّه لا واقعةَ إلّا ولله فيها حكمٌ، علِمَه مَن علِمَه وجَهِلَه مَن جَهِله. فيقال: حكمُ الله في هذه الواقعة كحكمه في المُلْجَأ، فإنّه قد أُلجئ قدرًا إلى إتلاف أحد النَّفسين ولا بدَّ، والمُلْجَأُ ليس له فعلٌ يضاف إليه، بل هو آلةٌ. فإذا صار هذا كالمُلجأ، فحكمُه أن لا يكون منه حركةٌ ولا فعلٌ ولا اختيارٌ، فلا يعدِل من واحدٍ إلى واحدٍ، بل يتخلّى عن الحركة والاختيار، ويستسلم استسلامَ من هو عليه٤، إذ لا قدرةَ له على حركةٍ مأذونٍ له فيها البتَّةَ؛ فحكمُه الفناءُ عن الحركة والاختيار

  1. (١) ش: "دون".
  2. (٢) انظر: "المنخول" للغزالي (ص ١٩٩)، و"التحبير شرح التحرير" (٢/ ٩٧٥).
  3. (٣) ع: "قتل الآخر".
  4. (٤) في هامش ع: "من الجرحى" مع علامة صح.
447

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي