مدارج السالكين

قيل: توبةُ مثل هذا بالتزام أخفِّ المفسدتين، من الإقامة على الذَّنب المعيَّن أو الانتقال عنه. فإن تساوت مفسدةُ الإقامة على الذَّنب ومفسدةُ الانتقال عنه من كلِّ وجهٍ، فهذا يؤمر من التَّوبة بالمقدور له منها، وهو: النَّدَم والعزمُ الجازمُ على ترك المعاودة. وأمَّا الإقلاعُ فقد تعذَّر في حقِّه إلّا بالتزام مفسدةٍ أخرى مثلِ١ مفسدته.

فقيل: إنّه لا حكمَ لله في هذه الحادثة٢، لاستحالة ثبوت شيءٍ من الأحكام الخمسة فيها، إذ إقامتُه على الجريح تتضمَّن مفسدةَ قتله، فلا يؤمَر بها ولا هو مأذونٌ له فيها. وانتقالُه عنه يتضمَّن مفسدةَ قتلِه الآخرَ٣، فلا يؤمَر بالانتقال ولا يؤذن له فيه، فتعذَّر الحكمُ في هذه الحادثة، وعلى هذا فتتعذَّرُ التَّوبةُ منها.

والصّوابُ: أنّ التَّوبة غيرُ متعذِّرةٍ، ولله فيها حكمٌ؛ فإنّه لا واقعةَ إلّا ولله فيها حكمٌ، علِمَه مَن علِمَه وجَهِلَه مَن جَهِله. فيقال: حكمُ الله في هذه الواقعة كحكمه في المُلْجَأ، فإنّه قد أُلجئ قدرًا إلى إتلاف أحد النَّفسين ولا بدَّ، والمُلْجَأُ ليس له فعلٌ يضاف إليه، بل هو آلةٌ. فإذا صار هذا كالمُلجأ، فحكمُه أن لا يكون منه حركةٌ ولا فعلٌ ولا اختيارٌ، فلا يعدِل من واحدٍ إلى واحدٍ، بل يتخلّى عن الحركة والاختيار، ويستسلم استسلامَ من هو عليه٤، إذ لا قدرةَ له على حركةٍ مأذونٍ له فيها البتَّةَ؛ فحكمُه الفناءُ عن الحركة والاختيار

  1. (١) ش: "دون".
  2. (٢) انظر: "المنخول" للغزالي (ص ١٩٩)، و"التحبير شرح التحرير" (٢/ ٩٧٥).
  3. (٣) ع: "قتل الآخر".
  4. (٤) في هامش ع: "من الجرحى" مع علامة صح.
447

وشهودُ نفسه كالحجَر الملقى على هذا الجريح. ولا سيَّما إن كان قد ألقي عليه بغير اختياره، فليس له أن يلقي نفسَه على جاره لينجيه بقتله. والقدرُ ألقاه على الأوّل، فهو معذورٌ به، فإذا انتقل إلى الثّاني انتقل بالاختيار والإرادة. فهكذا إذا ألقى نفسه عليه باختياره ثمّ تاب وندم، لا نأمرُه بإلقاء نفسه على جاره، ليتخلَّص من الذَّنب بذنبٍ مثلِه سواءً.

وتوبةُ مثل هذا إنّما تتصوَّر بالنَّدَم والعزم فقط، لا بالإقلاع؛ والإقلاعُ١ في حقِّه مستحيلٌ، فهو كمن أولَجَ في فرجٍ حرامٍ، ثمّ شُدَّ ورُبِط في حال إيلاجه بحيث لا يمكنه النَّزعُ البتّة؛ فتوبتُه بالنَّدم والعزم والتَّجافي بقلبه عن السُّكون إلى الاستدامة. وكذلك توبةُ الأوّل بذلك وبالتَّجافي عن الإرادة والاختيار. والله أعلم.

فصل

ومن أحكامها: أنّها إذا كانت متضمِّنةً لحقِّ آدميٍّ أن يخرُجَ إليه منه، إمَّا بأدائه وإمَّا باستحلاله منه بعد إعلامه به، إن كان حقًّا ماليًّا أو جنايةً على بدنه أو بدن موروثه، كما ثبت عن النّبيِّ ﷺ أنّه قال: "من كان لأخيه عنده مظلمةٌ من مالٍ أو عرضٍ، فليتحلَّلْه اليومَ، قبل أن لا يكون دينارٌ ولا درهمٌ إلّا الحسناتُ والسّيِّئاتُ"٢.

وإن كانت المظلمة بقدحه فيه بغيبةٍ٣ أو قذفٍ، فهل يُشترَط في توبته

  1. (١) ع: "فالإقلاع".
  2. (٢) أخرجه البخاري (٢٤٤٩) من حديث أبي هريرة ﵁.
  3. (٣) ع: "بقدح فيه أو بغيبة".
448

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي