وشهودُ نفسه كالحجَر الملقى على هذا الجريح. ولا سيَّما إن كان قد ألقي عليه بغير اختياره، فليس له أن يلقي نفسَه على جاره لينجيه بقتله. والقدرُ ألقاه على الأوّل، فهو معذورٌ به، فإذا انتقل إلى الثّاني انتقل بالاختيار والإرادة. فهكذا إذا ألقى نفسه عليه باختياره ثمّ تاب وندم، لا نأمرُه بإلقاء نفسه على جاره، ليتخلَّص من الذَّنب بذنبٍ مثلِه سواءً.
وتوبةُ مثل هذا إنّما تتصوَّر بالنَّدَم والعزم فقط، لا بالإقلاع؛ والإقلاعُ١ في حقِّه مستحيلٌ، فهو كمن أولَجَ في فرجٍ حرامٍ، ثمّ شُدَّ ورُبِط في حال إيلاجه بحيث لا يمكنه النَّزعُ البتّة؛ فتوبتُه بالنَّدم والعزم والتَّجافي بقلبه عن السُّكون إلى الاستدامة. وكذلك توبةُ الأوّل بذلك وبالتَّجافي عن الإرادة والاختيار. والله أعلم.
فصل
ومن أحكامها: أنّها إذا كانت متضمِّنةً لحقِّ آدميٍّ أن يخرُجَ إليه منه، إمَّا بأدائه وإمَّا باستحلاله منه بعد إعلامه به، إن كان حقًّا ماليًّا أو جنايةً على بدنه أو بدن موروثه، كما ثبت عن النّبيِّ ﷺ أنّه قال: "من كان لأخيه عنده مظلمةٌ من مالٍ أو عرضٍ، فليتحلَّلْه اليومَ، قبل أن لا يكون دينارٌ ولا درهمٌ إلّا الحسناتُ والسّيِّئاتُ"٢.
وإن كانت المظلمة بقدحه فيه بغيبةٍ٣ أو قذفٍ، فهل يُشترَط في توبته
(١) ع: "فالإقلاع".
(٢) أخرجه البخاري (٢٤٤٩) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) ع: "بقدح فيه أو بغيبة".
منها إعلامُه بذلك بعينه والتّحلُّل منه، أو إعلامه بأنّه نال١ من عرضه ولا يشترط تعيينُه، أو لا يشترط لا هذا ولا هذا، بل يكفي في توبته أن يتوب بينه وبين الله تعالى من غير إعلام مَن قذفه واغتابه؟ على ثلاثة أقوالٍ. وعن أحمد ﵁ روايتان منصوصتان في حدِّ القذف، هل يشترط في توبة القاذف إعلامُ المقذوف والتّحلُّل منه أم لا؟ ويخرَّج عليهما توبةُ المغتاب والشَّاتم. والمعروف من٢ مذهب الشّافعيِّ وأبي حنيفة ومالكٍ: اشتراطُ الإعلام والتّحلُّل. هكذا ذكر أصحابُهم في كتبهم٣.
والّذين اشترطوا ذلك احتجُّوا بأنَّ الذَّنبَ حقُّ آدميٍّ، فلا يسقط إلّا بإحلاله منه وإبرائه.
ثمَّ مَن لم يصحِّح البراءةَ من الحقِّ المجهول يشترط٤ إعلامَه بعينه، لا سيَّما إذا كان مَن عليه الحقُّ عارفًا بقدره، فلا بدَّ من إعلام مستحقِّه به، لأنَّه قد لا تسمح نفسُه بالإبراء منه إذا عرف قدره.
واحتجُّوا بالحديث المذكور، وهو قوله: "من كان لأخيه عنده مظلمةٌ من مالٍ أو عرضٍ، فليتحلَّله اليومَ".
قالوا: ولأنّ في هذه الجناية حقَّين: حقًّا لله، وحقًّا لآدميٍّ، فالتَّوبةُ منها بتحلُّلِ الآدميِّ، والنَّدمِ فيما بينه وبين الله لأجل حقِّه.