فقالت طائفةٌ: يرجع إلى درجته، لأنَّ التَّوبةَ تجُبُّ الذَّنبَ بالكلِّيّة، وتُصيِّره كأن لم يكن، والمقتضي لدرجته ما معه من الإيمان والعمل الصّالح، فعاد إليها بالتّوبة.
قالوا: ولأنَّ التَّوبةَ حسنةٌ عظيمةٌ وعملٌ صالحٌ، فإن كان ذنبُه قد حطَّه عن درجته، فحسنتُه بالتَّوبة رقَّته١ إليها. وهذا كمن سقط في بئرٍ، وله صاحبٌ شفيقٌ، أدلى إليه حبلًا تمسَّك به حتّى رقي منه إلى موضعه. فهكذا التَّوبةُ والعملُ الصَّالحُ مثل هذا القرين الصَّالح والأخ الشَّفيق.
وقالت طائفةٌ: لا يعود إلى درجته وحاله، لأنّه لم يكن في وقوفٍ، بل كان٢ في ترقٍّ وصعودٍ، فبالذَّنب صار في نزولٍ وهبوطٍ؛ فإذا تاب نقَص عليه ذلك القدرُ الذي كان مستعدًّا فيه للتَّرقِّي.
قالوا: ومثَلُ هذا مثَلُ رجلين سائرين على طريقٍ سيرًا واحدًا، ثمّ عرَض لأحدهما ما ردَّه على عقبه أو أوقفه، وصاحبُه سائرٌ؛ فإذا استقال هذا رجوعَه ووقفتَه وسار بإثر صاحبه لم يلحَقْه أبدًا، لأنَّه كلَّما سار مرحلةً تقدَّم ذلك أخرى.
(٣) في ع بعده زيادة: "وإيمانه"، وكذا بعد "سيره" في السطر الآتي.
وذلك الواقف الذي رجع قد ضعفت قوَّةُ سيره بالوقوف والرُّجوع.
وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يحكي هذا الخلاف، ثمَّ قال: والصَّحيحُ أنَّ من التَّائبين١ من لا يعود إلى درجته، ومنهم من يعود إليها، ومنهم من يعود إلى أعلى منها فيصير خيرًا ممَّا كان قبل الذَّنب. وكان داود بع التَّوبة خيرًا منه قبل الخطيئة.
قال: وهذا بحسب حال التّائب بعد توبته وعزمه وحذره وجدِّه٢ وتشميره. فإن كان ذلك أعظمَ ممَّا كان له قبل الذّنب عاد خيرًا ممّا كان وأعلى درجةً، وإن كان مثلَه عاد إلى مثل حاله، وإن كان دونه لم يعُد إلى درجته وكان منحطًّا عنها٣.
وهذا الذي ذكره هو فصلُ النِّزاع في هذه المسألة.
ويتبيَّن هذا بمثلين مضروبين:
أحدهما: رجلٌ مسافرٌ سائرٌ على الطَّريق بطمأنينةٍ وأمنٍ، فهو يعدو مرَّةً ويمشي أخرى، ويستريح تارةً وينام أخرى. فبينا هو كذلك إذ عرض له في طريق سيره ظلٌّ ظليلٌ، وماءٌ باردٌ، ومقيلٌ، وروضةٌ مزهرةٌ؛ فدعته نفسُه إلى النُّزول عليها، فنزلَ عليها، فوثب عليه منها عدوٌّ، فأخَذَه وقيَّده وكتَّفه ومنَعه عن السَّير، فعاين الهلاك وظنّ أنّه منقطَعٌ به، وأنَّه رزقُ الوحوش والسِّباع،