مدارج السالكين

وأنّه قد حيل بينه وبين مقصده الذي يؤمُّه. فبينا هو على ذلك تتقاذف به الظُّنونُ، إذ وقف على رأسه والده الشَّفيقُ القادرُ، فحلَّ كِتافَه وقيودَه، وقال: اركب الطَّريقَ، واحذر هذا العدوَّ، فإنَّه على منازل الطَّريق بالمرصاد. واعلم أنّك ما دمتَ حاذرًا له متيقِّظًا لا يقدر عليك، فإذا غفلتَ وثَب عليك، وأنا متقدِّمك إلى المنزلة وفرَطٌ لك، فاتَّبِعني على الأثر.

فإن كان هذا السّائرُ كيِّسًا فَطِنًا لبيبًا حاضر الذِّهن والعقل، استقبل سيرَه استقبالًا آخرَ١، واشتدَّ حذرُه، وتأهَّب لهذا العدوِّ، وأعدَّ له عُدَّتَه، فكان سيرُه الثّاني أقوى من الأوّل وخيرًا منه، ووصوله إلى المنزل أسرعَ. وإن غفَل عن عدوِّه وعاد إلى مثل حاله الأولى من غير زيادةٍ ولا نقصانٍ ولا قوَّةِ حذرٍ واستعدادٍ عاد كما كان، وهو معرَّضٌ لما عرَض له أولًا. وإن أورثه ذلك توانيًا في سَيره وفتورًا، وتذكُّرًا لطِيب مقيله وحُسنِ ذلك الرَّوض وعذوبة مائه وتفيُّؤ ظلاله، وسكونًا بقلبه إليه= لم يعُدْ إلى مثل سَيره ونقَص عمَّا كان.

المثلُ الثَّاني: عبدٌ في صحَّةٍ وعافية جسمٍ، عرَضَ له مرضٌ أوجب له حِمْيةً وشربَ دواءٍ وتحفُّظًا من التَّخليط، ونفَضَ٢ بذلك عنه مادّةً رديَّةً كانت مُنقِصةً لكمال قوّته وصحَّته، فعاد بعد المرض أقوى ممَّا كان قبله٣:

لعلَّ عتبَك محمودٌ عواقبهوربَّما صحَّت الأجسامُ بالعِلَلِ٤
  1. (١) في ع بعده زيادة: "أقوى من الأوّل وأتمَّ".
  2. (٢) ع: "نقض". وفي غيرها ما عدا ق، ل: "نقص"، تصحيف.
  3. (٣) في ع بعده زيادة: "كما قيل".
  4. (٤) للمتنبي في "ديوانه" (ص ٣٣١) والرواية: "فربَّما"، وسيأتي مرة أخرى.
454

وإن أوجب له ذلك المرضُ ضعفًا في القوَّة، وتداركه بمثل ما نقص من قوَّته، عاد إلى مثل ما كان. وإن تداركه بدون ما نقص من قوَّته عاد إلى دون ما كان عليه من القوَّة.

وفي هذين المثلين كفايةٌ لمن تدبَّرهما.

وقد ضُرِب لذلك١ مثلٌ آخَرُ برجلٍ خرج من بيته يريد الصَّلاةَ في الصَّفِّ الأوّل، لا يَلوي على شيءٍ في طريقه، فعرَض له رجلٌ من خلفه جبَذ٢ ثوبَه وأوقفه قليلًا، يريد تعويقَه عن الصَّلاة، فله معه حالان:

أحدهما: أن يشتغل به حتَّى تفوته الصَّلاةُ. فهذه حالُ غيرِ التّائب.

الثّانية: أن يجاذبَه على نفسه، ويتفلَّت منه، لئلَّا تفوتَه الصَّلاة. ثمّ له بعد هذا التّفلُّت ثلاثةُ أحوالٍ:

أحدها: أن يكون سيره جَمْزًا ووثوبًا٣، ليستدرك ما فاته بتلك الوقفة، فربَّما استدركه وزاد عليه.

الثّاني: أن يعود إلى مثل سيره.

الثّالث: أن تورثه تلك الوقفةُ فتورًا وتهاونًا، فيفوتَه فضيلةُ الصَّفِّ الأوّل، أو فضيلةُ الجماعة وأوّل الوقت.

فهكذا التائبُ٤ سواءً.

  1. (١) ع: "لك". وكذا كان في الأصل ثم أصلح.
  2. (٢) ج، ش: "جذب"، وهما بمعنًى.
  3. (٣) ع: "ووثبًا".
  4. (٤) ع: "التائبين السائرين".
455

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي