مدارج السالكين

وإن أوجب له ذلك المرضُ ضعفًا في القوَّة، وتداركه بمثل ما نقص من قوَّته، عاد إلى مثل ما كان. وإن تداركه بدون ما نقص من قوَّته عاد إلى دون ما كان عليه من القوَّة.

وفي هذين المثلين كفايةٌ لمن تدبَّرهما.

وقد ضُرِب لذلك١ مثلٌ آخَرُ برجلٍ خرج من بيته يريد الصَّلاةَ في الصَّفِّ الأوّل، لا يَلوي على شيءٍ في طريقه، فعرَض له رجلٌ من خلفه جبَذ٢ ثوبَه وأوقفه قليلًا، يريد تعويقَه عن الصَّلاة، فله معه حالان:

أحدهما: أن يشتغل به حتَّى تفوته الصَّلاةُ. فهذه حالُ غيرِ التّائب.

الثّانية: أن يجاذبَه على نفسه، ويتفلَّت منه، لئلَّا تفوتَه الصَّلاة. ثمّ له بعد هذا التّفلُّت ثلاثةُ أحوالٍ:

أحدها: أن يكون سيره جَمْزًا ووثوبًا٣، ليستدرك ما فاته بتلك الوقفة، فربَّما استدركه وزاد عليه.

الثّاني: أن يعود إلى مثل سيره.

الثّالث: أن تورثه تلك الوقفةُ فتورًا وتهاونًا، فيفوتَه فضيلةُ الصَّفِّ الأوّل، أو فضيلةُ الجماعة وأوّل الوقت.

فهكذا التائبُ٤ سواءً.

  1. (١) ع: "لك". وكذا كان في الأصل ثم أصلح.
  2. (٢) ج، ش: "جذب"، وهما بمعنًى.
  3. (٣) ع: "ووثبًا".
  4. (٤) ع: "التائبين السائرين".
455

فصل

ويتبيَّن هذا بمسألةٍ شريفةٍ، وهي أنَّه هل المطيعُ الذي لم يعصِ خيرٌ من العاصي الذي تاب إلى الله توبةً نصوحًا، أو هذا التّائبُ أفضَلُ منه؟

اختُلِفَ في ذلك.

فطائفةٌ رجَّحَت مَن لم يعصِ على من عصى وتاب١، واحتجُّوا بوجوهٍ:

أحدها: أنَّ أكملَ الخلق وأفضلَهم أطوَعُهم لله تعالى، وهذا الذي لم يعصِ أطوَعُ، فيكون أفضل.

الثّاني: أنَّ في زمن اشتغال العاصي بمعصيته يسبقه المطيعُ عدَّةَ مراحل إلى فوق، فتكون درجتُه أعلى من درجته. وغايته أنّه إذا تاب استقبل سيَره ليلحقَه، وذلك في سيرٍ آخر، فأنَّى له بلَحاقه! فهما بمنزلة رجلين مشتركين في الكسب، كلَّما كسَب أحدُهما شيئًا كسَب الآخرُ مثلَه، فعمَد أحدُهما إلى كسبه فأضاعه، وأمسَكَ عن الكسبِ المستأنَفِ؛ والآخَرُ يجِدُّ٢ في الكسب، فإذا أدركته حميَّةُ المنافسة، وعاد إلى الكسب، وجد صاحبَه قد كسَب في تلك المدَّة، شيئًا كثيرًا، فلا يكسب شيئًا إلّا كسب صاحبه نظيرَه٣، فأنّى له بمساواته!

الثّالث: أنَّ غايةَ التَّوبةِ أن تمحو عن هذا سيِّئاتِه، ويصير بمنزلة من لم

  1. (١) في ع زيادة: "توبةً نصوحًا".
  2. (٢) ع: "مُجِدُّ".
  3. (٣) ع: "مثله".
456

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي