مدارج السالكين

فصل

ويتبيَّن هذا بمسألةٍ شريفةٍ، وهي أنَّه هل المطيعُ الذي لم يعصِ خيرٌ من العاصي الذي تاب إلى الله توبةً نصوحًا، أو هذا التّائبُ أفضَلُ منه؟

اختُلِفَ في ذلك.

فطائفةٌ رجَّحَت مَن لم يعصِ على من عصى وتاب١، واحتجُّوا بوجوهٍ:

أحدها: أنَّ أكملَ الخلق وأفضلَهم أطوَعُهم لله تعالى، وهذا الذي لم يعصِ أطوَعُ، فيكون أفضل.

الثّاني: أنَّ في زمن اشتغال العاصي بمعصيته يسبقه المطيعُ عدَّةَ مراحل إلى فوق، فتكون درجتُه أعلى من درجته. وغايته أنّه إذا تاب استقبل سيَره ليلحقَه، وذلك في سيرٍ آخر، فأنَّى له بلَحاقه! فهما بمنزلة رجلين مشتركين في الكسب، كلَّما كسَب أحدُهما شيئًا كسَب الآخرُ مثلَه، فعمَد أحدُهما إلى كسبه فأضاعه، وأمسَكَ عن الكسبِ المستأنَفِ؛ والآخَرُ يجِدُّ٢ في الكسب، فإذا أدركته حميَّةُ المنافسة، وعاد إلى الكسب، وجد صاحبَه قد كسَب في تلك المدَّة، شيئًا كثيرًا، فلا يكسب شيئًا إلّا كسب صاحبه نظيرَه٣، فأنّى له بمساواته!

الثّالث: أنَّ غايةَ التَّوبةِ أن تمحو عن هذا سيِّئاتِه، ويصير بمنزلة من لم

  1. (١) في ع زيادة: "توبةً نصوحًا".
  2. (٢) ع: "مُجِدُّ".
  3. (٣) ع: "مثله".
456

يعملها، فيكون سعيُه في مدَّة المعصية لا له ولا عليه؛ فأين هذا السَّعيُ من سعي مَن هو كاسبٌ رابحٌ!

الرّابع: أنَّ الله يمقت على معاصيه ومخالفة أوامره، ففي مدّة اشتغال هذا بالذُّنوب كان حظُّه المقتَ، وحظُّ المطيع الرِّضا، فالله لم يزل عنه راضيًا، ولا ريب أنّ هذا خيرٌ ممَّن كان الله راضيًا عنه، فمقَتَه١، ثمَّ رضي عنه؛ فإنَّ الرِّضا المستمرَّ خيرٌ من الذي تخلَّلَه المقتُ.

الخامس: أنَّ الذَّنبَ بمنزلة شُرب السَّمِّ، والتَّوبةُ هي ترياقه ودواؤه، والطَّاعةُ هي الصِّحّة والعافية؛ وصحّةٌ وعافيةٌ مستمرّةٌ خيرٌ من صحّةٍ تخلَّلها مرضٌ وشربُ سمٍّ أفاق منه٢.

السّادس: أنَّ العاصي على خطرٍ شديدٍ، فإنّه دائرٌ بين ثلاثة أشياء:

أحدُها: العطَب والهلاك بشرب السَّمِّ.

الثّاني: النُّقصان من القوّة وضعفها إن سلِمَ من الهلاك.

والثّالث: عودُ قوّته إليه كما كانت أو خيرًا منها.

والأكثرُ إنّما هو القسمان الأوّلان، ولعلَّ الثَّالثَ نادرٌ جدًّا. فهو على يقينٍ من ضرر السَّمِّ، وعلى رجاءٍ من حصول العافية؛ بخلاف من لم يتناول ذلك.

السّابع: أنَّ المطيعَ قد أحاط على بستان طاعته حائطًا حصينًا لا يجد

  1. (١) ع: "ثم مقته".
  2. (٢) بعده زيادة في ع: "وربَّما أدَّيا به إلى التَّلف أو المرض أبدًا".
457

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي