العدوُّ١ إليه سبيلًا، فثمرتُه وزهرتُه ونضرتُه وبهجتُه في زيادةٍ ونموٍّ أبدًا. والعاصي قد فتَح فيه ثَغْرةً٢، ومكَّن منه السُّرَّاقَ والأعداءَ، فدخلوا فعاثوا فيه، وأفسدوا٣، وقطَّعوا ثمرته، وأحرقوا في نواحيه، وقطعَوا ماءه، أو نقَصوا سقيَه٤، فإذا تداركه قَيِّمُه ولمَّ شعَثَه، وأصلَح ما فسد منه، وفتَح طرقَ مائه، وعمَّر ما خَرِب منه؛ فإنّه إمَّا أن يعود كما كان، أو أنقصَ، أو خيرًا؛ ولكن لا يلحق بستانَ صاحبه الذي لم يزل على نضارته وحسنه، بل في زيادةٍ ونموٍّ٥.
الثّامن: أنَّ طمعَ العدوِّ في هذا العاصي إنّما كان لضعفِ علمه وضعفِ عزيمته، ولذلك يسمّى جاهلًا. قال قتادة ﵁: أجمع٦ أصحابُ رسول الله ﷺ على أنَّ كلَّ ما عُصي الله به فهو جهالةٌ٧. وكذلك قال الله تعالى في حقِّ آدم ﵇: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾[طه: ١١٥]. وقال في حقِّ غيره: ﴿كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا﴾[الأحقاف: ٣٥]. وأمَّا من قويت عزيمتُه، وكمُل علمُه، وقوي إيمانُه= لم يطمع فيه عدوُّه، فكان٨ أفضل.
التّاسع: أنَّ المعصيةَ لا بدَّ أن تؤثِّر أثرًا سيِّئًا، ولا بدَّ: إمَّا هلاكًا كلِّيًّا، وإمَّا
(١) ع: "العدى".
(٢) بعده في ع زيادة: "وثلم فيه ثلمةً".
(٣) ع: "فعاثوا فيه يمينًا وشمالًا، وأفسدوا أغصانه، وخرَّبوا حيطانه".
(٤) في ع بعده زيادة: "فمتى يرجع هذا إلى حاله الأول".
(٥) في ع زيادة: "وتضاعُفِ ثمرته وكثرةِ غرسه".
(٦) ق، ل، ج: "احتج"، تصحيف. وكذا كان في م ثم أصلح.
(٧) تقدَّم تخريجه.
(٨) ع: "وكان".
خسرانًا وعقابًا يعقبُه إمَّا١ عفوٌ ودخولُ الجنّة، وإمّا نقصُ درجةٍ، وإمّا خمودُ مصباح الإيمان. وعملُ التوبة في رفع هذه الآثار والتَّكفير، وعملُ المطيع في الزِّيادة ورفعة الدّرجات.
ولهذا كان قيامُ اللَّيل نافلةً للنّبيِّ ﷺ خاصّةً فإنَّه يعمل في زيادة الدَّرجات، وغيرُه يعمل في التكفير، وأين هذا من هذا؟
العاشر: أنَّ المقبلَ على الله له سيرٌ٢ بجملة أعماله، وكلَّما ازدادت٣ طاعاتُه وأعمالُه ازداد كسبُه بها وعظُمَ. وهو بمنزلة من سافر٤، فكسب عشرةَ أضعاف رأس ماله، فسافر ثانيًا برأسِ ماله الأوّل وكسبِه، فكسَب عشرةَ أضعافه أيضًا، فسافر ثالثًا أيضًا بهذا المال كلِّه، وكان ربحُه كذلك، وهلمَّ جرًّا. فإذا فتَر عن السَّفر في آخر أمره مرّةً واحدةً فاته من الرِّبح بقدر جميع ما ربح أو أكثرَ منه. وهذا معنى قول بعض العارفين٥: لو أقبل عبدٌ على الله كذا وكذا سنةً ثمّ أعرض عنه لحظةً واحدةً كان ما فاته أكثرَ ممَّا حصل له٦. وهو صحيحٌ بهذا المعنى، فإنّه قد فاته في مدّة الإعراض ربحُ تلك الأعمال
(١) "إمَّا" من ع.
(٢) ع: "المقبل على الله المطيع له يسيرُ".
(٣) ع: "زادت".
(٤) ما عدا ج: "يسافر".
(٥) ع: "قول الجنيد".
(٦) ع: "أقبل صادق على الله ألف عام ثم أعرض ... مما ناله". وقد نقله المؤلف في "الوابل الصيب" (ص ٨٩) كما أثبت من الأصل وغيره. وهو من كلام الجنيد كما في ع، وبلفظها أخرجه السلمي في "طبقات الصوفية" (ص ١٦١). وانظر: "حلية الأولياء" (١٠/ ٢٧٨).