مدارج السالكين

وأنت ربُّ العالمين؟ قال: أمَا إنَّ عبدي فلانًا مرِضَ فلم تعُدْه، أمَا لو عُدْتَه لوجدتَني عنده"١. فقال في عيادة المريض: "لوجدتَني عنده"، وقال في الإطعام والإسقاء: "لوجدتَ ذلك عندي"، ففرَّق بينهما، فإنَّ المريضَ مكسورُ القلب ولو كان من كان، فلا بدَّ أن يكسره المرضُ، فإذا كان مؤمنًا قد انكسر قلبُه بالمرض كان الله عنده٢.

وهذا ــ والله أعلم ــ هو السِّرُّ في استجابة دعوة الثّلاثة: المظلوم، والمسافر، والصّائم للكَسْرة التي في قلبِ كلِّ واحدٍ منهم، فإنَّ غربة المسافر وكسْرتَه ممّا يجده العبدُ في نفسه، وكذلك الصَّومُ فإنَّه يكسِر سورةَ النَّفس السَّبُعيّةِ الحيوانيّةِ ويُذلُّها.

والقصدُ: أنّ شمعةَ الخير والفضل والعطايا إنَّما تنزل في شَمْعَدَانِ٣ الانكسار، وللعاصي التّائبِ من ذلك نصيبٌ وافرٌ٤. يوضِّحه:

الوجه الخامس: أنَّ الذَّنبَ قد يكون أنفعَ للعبد ــ إذا اقترنت به التَّوبةُ ــ من كثيرٍ من الطَّاعات. وهذا معنى قول بعض السَّلف: قد يعمل العبدُ الذَّنبَ٥ فيدخل به الجنَّةَ، ويعملُ الطَّاعةَ فيدخلُ بها النَّارَ. قالوا: وكيف ذلك؟ قال: يعمل الذَّنبَ فلا يزال نُصْبَ عينيه، إن قام وإن قعد وإن

  1. (١) أخرجه مسلم (٢٥٦٩) من حديث أبي هريرة ﵁.
  2. (٢) وانظر: "شفاء العليل" (ص ٢٥٥) وما سيأتي في باب التلبيس.
  3. (٣) الشَّمْعَدَان: مِسْرجة تركز عليها الشُّموع. وقد تحرَّف في ش إلى "ميدان"، و"شمعة" إلى "سعة".
  4. (٤) ع: "أوفر نصيب".
  5. (٥) ع: "إن العبد ليعمل الذنب".
462

مشى، كلما ذكَره أحدَثَ له توبةً١ واستغفارًا وندمًا، فيكونُ ذلك سببَ نجاته. ويعملُ الحسنةَ، فلا تزال نُصْبَ عينيه، إن قام وإن قعد وإن مشى، كلَّما ذكرها أورثته عُجْبًا وكِبْرًا ومِنَّةً، فتكون سببَ هلاكه٢.

فيكون الذَّنبُ موجِبًا لترتُّب طاعاتٍ وحسناتٍ ومعاملاتٍ قلبيّةٍ من خوفٍ من الله، وحياءٍ منه، وإطراقٍ بين يديه منكِّسًا رأسَه خَجِلًا باكيًا نادمًا مستقيلًا ربَّه. وكلُّ واحدٍ من هذه الآثار٣ أنفَعُ للعبد من طاعةٍ تُوجِب له صولةً، وكبرًا، وازدراءً بالنّاس، ورؤيتَهم بعين الاحتقار.

ولا ريب أنَّ هذا المُذْنِبَ خيرٌ عند الله وأقربُ إلى النَّجاة والفوز من هذا المعجَبِ بطاعته، الصّائلِ بها، المانِّ بها بحاله على الله وعباده، وإن قال بلسانه خلافَ ذلك، فالله شهيدٌ على ما في قلبه. ويكاد يعادي الخلائقَ إن٤ لم يعظِّموه ويرفعوه ويخضعوا له، ويجدُ في قلبه بِغضةً لمن لم يفعل به كذلك، ولو فتَّش نفسه حقَّ التّفتيش لرأى فيها ذلك كامنًا. ولهذا تراه عاتبًا على من لم يعظِّمه ويعرِفْ له حقَّه، متطلِّبًا لعيبه في قالبِ حميَّةٍ لله، وغضبٍ له! وإذا قام بمن يعظِّمه ويحترمه ويخضع له من الذُّنوب أضعافُ ما قام بهذا فتَح له بابَ المعاذير والرَّجاء، وأغمَض عينَه وسمعَه، وكفَّ لسانه وقلبه، وقال: بابُ العصمة عن غير الأنبياء ﵈ مسدودٌ! وربَّما ظنَّ أنَّ ذنوبَه تُكفَّر بإجلاله وتعظيمه وإكرامه!

  1. (١) ع: "مشى ذكر ذنبه فيحدث له انكسارًا وتوبةً".
  2. (٢) أخرجه أبو نعيم في "الحلية" (٣/ ٢٤٢) عن أبي حازم بنحوه.
  3. (٣) ع: "الخصال".
  4. (٤) من ج. وفي ش: "إذا"، وفي غيرهما: "إذ". وفي ع: "الخلق" بدلًا من "الخلائق".
463

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي