مدارج السالكين

مشى، كلما ذكَره أحدَثَ له توبةً١ واستغفارًا وندمًا، فيكونُ ذلك سببَ نجاته. ويعملُ الحسنةَ، فلا تزال نُصْبَ عينيه، إن قام وإن قعد وإن مشى، كلَّما ذكرها أورثته عُجْبًا وكِبْرًا ومِنَّةً، فتكون سببَ هلاكه٢.

فيكون الذَّنبُ موجِبًا لترتُّب طاعاتٍ وحسناتٍ ومعاملاتٍ قلبيّةٍ من خوفٍ من الله، وحياءٍ منه، وإطراقٍ بين يديه منكِّسًا رأسَه خَجِلًا باكيًا نادمًا مستقيلًا ربَّه. وكلُّ واحدٍ من هذه الآثار٣ أنفَعُ للعبد من طاعةٍ تُوجِب له صولةً، وكبرًا، وازدراءً بالنّاس، ورؤيتَهم بعين الاحتقار.

ولا ريب أنَّ هذا المُذْنِبَ خيرٌ عند الله وأقربُ إلى النَّجاة والفوز من هذا المعجَبِ بطاعته، الصّائلِ بها، المانِّ بها بحاله على الله وعباده، وإن قال بلسانه خلافَ ذلك، فالله شهيدٌ على ما في قلبه. ويكاد يعادي الخلائقَ إن٤ لم يعظِّموه ويرفعوه ويخضعوا له، ويجدُ في قلبه بِغضةً لمن لم يفعل به كذلك، ولو فتَّش نفسه حقَّ التّفتيش لرأى فيها ذلك كامنًا. ولهذا تراه عاتبًا على من لم يعظِّمه ويعرِفْ له حقَّه، متطلِّبًا لعيبه في قالبِ حميَّةٍ لله، وغضبٍ له! وإذا قام بمن يعظِّمه ويحترمه ويخضع له من الذُّنوب أضعافُ ما قام بهذا فتَح له بابَ المعاذير والرَّجاء، وأغمَض عينَه وسمعَه، وكفَّ لسانه وقلبه، وقال: بابُ العصمة عن غير الأنبياء ﵈ مسدودٌ! وربَّما ظنَّ أنَّ ذنوبَه تُكفَّر بإجلاله وتعظيمه وإكرامه!

  1. (١) ع: "مشى ذكر ذنبه فيحدث له انكسارًا وتوبةً".
  2. (٢) أخرجه أبو نعيم في "الحلية" (٣/ ٢٤٢) عن أبي حازم بنحوه.
  3. (٣) ع: "الخصال".
  4. (٤) من ج. وفي ش: "إذا"، وفي غيرهما: "إذ". وفي ع: "الخلق" بدلًا من "الخلائق".
463

فإذا أراد الله بهذا العبد خيرًا ألقاه في ذنبٍ كسَره١ به، وعرَّفَه قدرَه، وكفَى به عبادَه شرَّه، ونكَّسَ به رأسَه، واستخرجَ به منه داءَ العُجب والكبر والمنّة عليه وعلى عباده فيكونُ هذا الذَّنبُ أنفع لهذا من طاعاتٍ كثيرةٍ، ويكون بمنزلة شُربِ الدَّواء ليستخرجَ به الدَّاءَ العُضالَ، كما قيل بلسان الحال في قصّة آدم ﵇ وخروجه من الجنّة بذنبه:

يا آدمُ، لا تجزَعْ من كأسِ زللٍ٢ كانت سببَ كَيْسِك، فقد استُخْرِجَ بها منك داءٌ لا يصلُح أن تُجاورنا به، وأُلْبِسْتَ بها خِلْعةَ العبوديّة.

لعلَّ عتبَك محمودٌ عواقبُهوربَّما صحَّتِ الأجسامُ بالعِلَلِ٣

يا آدَمُ، إنّما ابتليتُك بالذَّنب لأنِّي أُحِبُّ أن أُظْهِرَ فضلي وجودي وكرمي على من عصاني. "لو لم تُذنبوا لذهَبَ الله بكم، ولجاء بقومٍ يُذنبون فيستغفرون، فأغفِرُ لهم"٤.

يا آدمُ، كنتَ تدخل عليَّ دخولَ الملوك على الملوك، واليومَ تدخلُ عليَّ دخولَ العبيد على الملوك٥.

  1. (١) ع: "يكسره".
  2. (٢) بعده في هامش ل: "فإنها" مع علامة صح. وفي الأصل وغيره: "كأس ذلك"، وما أثبتُّه من ع موافق لما جاء في "الفوائد" (ص ٥١)، و"مفتاح دار السعادة" (٢/ ٨٢٩)، ولا يبعد أن يكون "ذلك" تصحيفه. ويؤيده أنَّ في "بدائع الفوائد" (٣/ ١١٩٨): "كأس خطأ" كما في مصدر الفقرة وهو "المدهش" لابن الجوزي (١/ ١٦٢).
  3. (٣) للمتنبي وقد تقدَّم قريبًا.
  4. (٤) تقدَّم تخريجه (ص ٣٢٦).
  5. (٥) وانظر: "الفوائد" (ص ٥١). وفي "طريق الهجرتين" (٢/ ٥١٠) أنَّ في بعض الآثار يقول الله تعالى ذلك لداود ﵇.
464

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي