مدارج السالكين

فإذا أراد الله بهذا العبد خيرًا ألقاه في ذنبٍ كسَره١ به، وعرَّفَه قدرَه، وكفَى به عبادَه شرَّه، ونكَّسَ به رأسَه، واستخرجَ به منه داءَ العُجب والكبر والمنّة عليه وعلى عباده فيكونُ هذا الذَّنبُ أنفع لهذا من طاعاتٍ كثيرةٍ، ويكون بمنزلة شُربِ الدَّواء ليستخرجَ به الدَّاءَ العُضالَ، كما قيل بلسان الحال في قصّة آدم ﵇ وخروجه من الجنّة بذنبه:

يا آدمُ، لا تجزَعْ من كأسِ زللٍ٢ كانت سببَ كَيْسِك، فقد استُخْرِجَ بها منك داءٌ لا يصلُح أن تُجاورنا به، وأُلْبِسْتَ بها خِلْعةَ العبوديّة.

لعلَّ عتبَك محمودٌ عواقبُهوربَّما صحَّتِ الأجسامُ بالعِلَلِ٣

يا آدَمُ، إنّما ابتليتُك بالذَّنب لأنِّي أُحِبُّ أن أُظْهِرَ فضلي وجودي وكرمي على من عصاني. "لو لم تُذنبوا لذهَبَ الله بكم، ولجاء بقومٍ يُذنبون فيستغفرون، فأغفِرُ لهم"٤.

يا آدمُ، كنتَ تدخل عليَّ دخولَ الملوك على الملوك، واليومَ تدخلُ عليَّ دخولَ العبيد على الملوك٥.

  1. (١) ع: "يكسره".
  2. (٢) بعده في هامش ل: "فإنها" مع علامة صح. وفي الأصل وغيره: "كأس ذلك"، وما أثبتُّه من ع موافق لما جاء في "الفوائد" (ص ٥١)، و"مفتاح دار السعادة" (٢/ ٨٢٩)، ولا يبعد أن يكون "ذلك" تصحيفه. ويؤيده أنَّ في "بدائع الفوائد" (٣/ ١١٩٨): "كأس خطأ" كما في مصدر الفقرة وهو "المدهش" لابن الجوزي (١/ ١٦٢).
  3. (٣) للمتنبي وقد تقدَّم قريبًا.
  4. (٤) تقدَّم تخريجه (ص ٣٢٦).
  5. (٥) وانظر: "الفوائد" (ص ٥١). وفي "طريق الهجرتين" (٢/ ٥١٠) أنَّ في بعض الآثار يقول الله تعالى ذلك لداود ﵇.
464

يا آدَمُ، إذا عصمتُك وعصمتُ بنيك من الذُّنوب، فعلى مَن أجُودُ بحلمي؟ وعلى مَن أجُود بعفوي ومغفرتي وتوبتي، وأنا التَّوَّاب الرَّحيم؟

يا آدمُ، لا تجزَعْ من قولي لك١: "اخرُجْ منها"، فلك خلقتُها، ولكن اهبِطْ إلى دار المجاهدة، وابذُرْ بِذارَ التَّقوى، وأَمطِرْ عليه سحائبَ الجفون. فإذا اشتدَّ الحَبُّ واستغلَظَ واستوى على سوقه، فتعالَ فاحصُدْه٢.

يا آدمُ، ما أهبطتُكَ من الجنَّةِ إلّا لتتوسَّل إليَّ في الصُّعود، وما أخرجتُك منها نفيًا لك عنها، ما أخرجتُك إلَّا لِتعود.

إن جرى بيننا وبينك عَتْبٌأو تناءَتْ منَّا ومنكَ الدِّيارُ
فالوِدادُ الذي عهدتَ مقيمٌوالعِثارُ الذي أصبتَ جُبَارُ٣

يا آدَمُ، ذنبٌ تَذِلُّ به لدينا أحبُّ إلينا من طاعةٍ تُدِلُّ بها علينا.

يا آدمُ، أنينُ المذنبين أحبُّ إلينا من تسبيح المُدِلِّين.

"ويا ابنَ آدم، إنَّك ما دعوتَني ورجوتَني غفرتُ لك على ما كان منك ولا

  1. (١) "لك" ساقط من ش.
  2. (٢) انظر نحوه في "الفوائد" (ص ٥١)، و"البدائع" (٣/ ١١٩٨)، و"المفتاح" (١/ ٢٦)، (٢/ ٨٣٠)، و"المدهش" (١/ ١٦٢).
  3. (٣) البيتان للبحتري في "ديوانه" (٢/ ٨٥٢ - ٨٥٣)، ورواية البيت الثاني في "المدهش" (١/ ١٦٢):
    فالغليلُ الذي عهدت مقيمُ ... والدُّموع التي شهدت غِزَارُ
    وضمير الخطاب في البيتين للمؤنثِ. فتصرَّف المصنِّف في كلمة "الغليل" في صدر البيت الثاني، وغيَّر عجزَه ليناسب السِّياق.
465

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي