مدارج السالكين

يا آدَمُ، إذا عصمتُك وعصمتُ بنيك من الذُّنوب، فعلى مَن أجُودُ بحلمي؟ وعلى مَن أجُود بعفوي ومغفرتي وتوبتي، وأنا التَّوَّاب الرَّحيم؟

يا آدمُ، لا تجزَعْ من قولي لك١: "اخرُجْ منها"، فلك خلقتُها، ولكن اهبِطْ إلى دار المجاهدة، وابذُرْ بِذارَ التَّقوى، وأَمطِرْ عليه سحائبَ الجفون. فإذا اشتدَّ الحَبُّ واستغلَظَ واستوى على سوقه، فتعالَ فاحصُدْه٢.

يا آدمُ، ما أهبطتُكَ من الجنَّةِ إلّا لتتوسَّل إليَّ في الصُّعود، وما أخرجتُك منها نفيًا لك عنها، ما أخرجتُك إلَّا لِتعود.

إن جرى بيننا وبينك عَتْبٌأو تناءَتْ منَّا ومنكَ الدِّيارُ
فالوِدادُ الذي عهدتَ مقيمٌوالعِثارُ الذي أصبتَ جُبَارُ٣

يا آدَمُ، ذنبٌ تَذِلُّ به لدينا أحبُّ إلينا من طاعةٍ تُدِلُّ بها علينا.

يا آدمُ، أنينُ المذنبين أحبُّ إلينا من تسبيح المُدِلِّين.

"ويا ابنَ آدم، إنَّك ما دعوتَني ورجوتَني غفرتُ لك على ما كان منك ولا

  1. (١) "لك" ساقط من ش.
  2. (٢) انظر نحوه في "الفوائد" (ص ٥١)، و"البدائع" (٣/ ١١٩٨)، و"المفتاح" (١/ ٢٦)، (٢/ ٨٣٠)، و"المدهش" (١/ ١٦٢).
  3. (٣) البيتان للبحتري في "ديوانه" (٢/ ٨٥٢ - ٨٥٣)، ورواية البيت الثاني في "المدهش" (١/ ١٦٢):
    فالغليلُ الذي عهدت مقيمُ ... والدُّموع التي شهدت غِزَارُ
    وضمير الخطاب في البيتين للمؤنثِ. فتصرَّف المصنِّف في كلمة "الغليل" في صدر البيت الثاني، وغيَّر عجزَه ليناسب السِّياق.
465

أبالي. ابنَ آدم، لو بلغت ذنوبُك عَنانَ السَّماء، ثمَّ استغفرتَني غفرتُ لك١. يا ابنَ آدم، لو لقيتَني بقُرابِ الأرض خطايا، ثمَّ لقيتَني لا تشرك بي شيئًا أتيتُك بقُرابها مغفرةً"٢.

ويُذكر عن بعض العُبَّاد٣ أنّه كان يطوف ليلةً، فسأل ربَّه في الطَّوافِ٤ أن يعصِمَه عن معصيته، ثمَّ غلبته عيناه فنام، فسمع قائلًا يقول: أنت تسألني العصمةَ، وكلُّ عبادي يسألوني العصمةَ، فإذا عصمتُهم فعلى من أجودُ٥ بمغفرتي وعفوي؟ وعلى من أتوب؟ وأين كرمي وعفوي ومغفرتي وفضلي؟ أو نحو هذا٦ من الكلام.

ويا ابنَ آدم، إذا آمنتَ بي ولم تُشرك بي شيئًا أقمتُ حمَلةَ العرش٧ ومَن حولَه يسبِّحون بحمدي ويستغفرون لك، وأنت على فراشك!

وفي الحديث العظيم الإلهيِّ حديثِ أبي ذرٍّ: "عبادي٨، إنّكم تخطئون

  1. (١) العبارة "ابن آدم لو بلغت ... لك" ساقطة من ش.
  2. (٢) تقدَّم تخريجه (ص ٣٠٢).
  3. (٣) هو إبراهيم بن أدهم. انظر: "قوت القلوب" (٢/ ١٠٢)، و"الرسالة القشيرية" (ص ٣٦٤). ونقله المصنف في "شفاء العليل" (ص ٢٢٣)، و"المفتاح" (٢/ ٨١٥) أيضًا.
  4. (٤) ع: "أنه كان يسأل ربَّه في طوافه بالبيت".
  5. (٥) ع: "أتفضَّل وأجود".
  6. (٦) ع: "ونحو هذا".
  7. (٧) ع: "حملة عرشي".
  8. (٨) ع: "يا عبادي".
466

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي