أبالي. ابنَ آدم، لو بلغت ذنوبُك عَنانَ السَّماء، ثمَّ استغفرتَني غفرتُ لك١. يا ابنَ آدم، لو لقيتَني بقُرابِ الأرض خطايا، ثمَّ لقيتَني لا تشرك بي شيئًا أتيتُك بقُرابها مغفرةً"٢.
ويُذكر عن بعض العُبَّاد٣ أنّه كان يطوف ليلةً، فسأل ربَّه في الطَّوافِ٤ أن يعصِمَه عن معصيته، ثمَّ غلبته عيناه فنام، فسمع قائلًا يقول: أنت تسألني العصمةَ، وكلُّ عبادي يسألوني العصمةَ، فإذا عصمتُهم فعلى من أجودُ٥ بمغفرتي وعفوي؟ وعلى من أتوب؟ وأين كرمي وعفوي ومغفرتي وفضلي؟ أو نحو هذا٦ من الكلام.
ويا ابنَ آدم، إذا آمنتَ بي ولم تُشرك بي شيئًا أقمتُ حمَلةَ العرش٧ ومَن حولَه يسبِّحون بحمدي ويستغفرون لك، وأنت على فراشك!
وفي الحديث العظيم الإلهيِّ حديثِ أبي ذرٍّ: "عبادي٨، إنّكم تخطئون
(١) العبارة "ابن آدم لو بلغت ... لك" ساقطة من ش.
(٢) تقدَّم تخريجه (ص ٣٠٢).
(٣) هو إبراهيم بن أدهم. انظر: "قوت القلوب" (٢/ ١٠٢)، و"الرسالة القشيرية" (ص ٣٦٤). ونقله المصنف في "شفاء العليل" (ص ٢٢٣)، و"المفتاح" (٢/ ٨١٥) أيضًا.
(٤) ع: "أنه كان يسأل ربَّه في طوافه بالبيت".
(٥) ع: "أتفضَّل وأجود".
(٦) ع: "ونحو هذا".
(٧) ع: "حملة عرشي".
(٨) ع: "يا عبادي".
باللّيل والنَّهار، وأنا أغفر الذُّنوب. فمن عَلِم أنِّي ذو قدرةٍ على المغفرة غفرتُ له ولا أبالي"١.
الوجه السادس٢: وهو قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾[الفرقان: ٧٠]. وهذا من أعظم البشارة للتَّائب إذا اقترن بتوبته٣ إيمانٌ وعملٌ صالحٌ، وهو حقيقةُ التَّوبة. قال ابن عبّاسٍ: ما رأيتُ النَّبيَّ ﷺ فرِحَ بشيءٍ قطُّ فرحَه بهذه الآية لمّا أُنزلت، وفرحَه بـ ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ١ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾[الفتح: ١ - ٢]٤.
(١) لم أجد مَن أخرجه بهذا السياق، وهو مجموع من روايتين عن أبي ذر. أما قوله: "عبادي، إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب" فقد أخرجه مسلم (٢٥٧٧) وغيره من رواية أبي إدريس الخولاني عن أبي ذر ﵁. وأما الشطر الثاني فقد أخرجه أحمد (٢١٥٤٠، ٢١٣٦٧) والترمذي (٢٤٩٥) وابن ماجه (٤٢٥٧) وغيرهم من رواية شهر بن حَوشب، عن عبد الرحمن بن غَنْم، عن أبي ذر، وشهر فيه لين.
(٢) ما عدا م: "الثامن".
(٣) ع: "للتائبين ... بتوبتهم".
(٤) أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (١٠٠٦ - نشرة الجوابرة) وأبو يعلى في "معجمه" (١٥٣) وابن المنذر في "الأوسط" (١٣/ ٣٩) وابن الأعرابي في "معجمه" (٢٣٩٤) والطبراني في "الكبير" (١٢/ ٢١٧)، وفي إسناده علي بن زيد بن جدعان ويوسف بن مهران، كلاهما ضعيف.