مدارج السالكين

باللّيل والنَّهار، وأنا أغفر الذُّنوب. فمن عَلِم أنِّي ذو قدرةٍ على المغفرة غفرتُ له ولا أبالي"١.

و﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣].

ويا عبدي! لا تعجَزْ، فمنك الدُّعاء وعليَّ الإجابة، ومنك الاستغفارُ وعليَّ المغفرة، ومنك التَّوبةُ وعليَّ تبديلُ سيِّئاتك حسناتٍ. يوضِّحه:

الوجه السادس٢: وهو قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٧٠]. وهذا من أعظم البشارة للتَّائب إذا اقترن بتوبته٣ إيمانٌ وعملٌ صالحٌ، وهو حقيقةُ التَّوبة. قال ابن عبّاسٍ: ما رأيتُ النَّبيَّ ﷺ فرِحَ بشيءٍ قطُّ فرحَه بهذه الآية لمّا أُنزلت، وفرحَه بـ ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ١ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ١ - ٢]٤.

  1. (١) لم أجد مَن أخرجه بهذا السياق، وهو مجموع من روايتين عن أبي ذر. أما قوله: "عبادي، إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب" فقد أخرجه مسلم (٢٥٧٧) وغيره من رواية أبي إدريس الخولاني عن أبي ذر ﵁. وأما الشطر الثاني فقد أخرجه أحمد (٢١٥٤٠، ٢١٣٦٧) والترمذي (٢٤٩٥) وابن ماجه (٤٢٥٧) وغيرهم من رواية شهر بن حَوشب، عن عبد الرحمن بن غَنْم، عن أبي ذر، وشهر فيه لين.
  2. (٢) ما عدا م: "الثامن".
  3. (٣) ع: "للتائبين ... بتوبتهم".
  4. (٤) أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (١٠٠٦ - نشرة الجوابرة) وأبو يعلى في "معجمه" (١٥٣) وابن المنذر في "الأوسط" (١٣/ ٣٩) وابن الأعرابي في "معجمه" (٢٣٩٤) والطبراني في "الكبير" (١٢/ ٢١٧)، وفي إسناده علي بن زيد بن جدعان ويوسف بن مهران، كلاهما ضعيف.
467

واختلفوا في صفة هذا التَّبديل، وهل هو في الدُّنيا، أو في الآخرة؟ على قولين١:

فقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄ وأصحابُه: هو تبديلهم بقبائح أعمالهم محاسنَها، فبدَّلَهم بالشِّرك إيمانًا، وبالزِّنى عفّةً وإحصانًا، وبالكذب صدقًا، وبالخيانة أمانةً. فعلى هذا معنى الآية: أنَّ صفاتهم القبيحة وأعمالهم السّيِّئة، بُدِّلوا عوضها صفاتٍ جميلةً وأعمالًا صالحةً، كما يبدَّل المريضُ بالمرض صحّةً، والمبتلى ببلائه عافيةً.

وقال سعيد بن المسيِّب وغيره من التَّابعين: هو تبديلُ الله سيِّئاتهم التي عملوها بحسناتٍ يوم القيامة، فيعطيهم مكانَ كلِّ سيِّئةٍ حسنةً.

واحتجَّ أصحاب هذا القول بما روى التِّرمذيُّ في "جامعه"٢: ثنا الحسين بن حُريثٍ، ثنا وكيعٌ، ثنا الأعمش، عن المعرور بن سُويدٍ، عن أبي

  1. (١) انظر القولين في "تفسير البغوي" (٦/ ٩٧). وقد ذكر المصنف في "طريق الهجرتين" (٢/ ٥٣٤ - ٥٤٥) حجج القائلين بهما مع الفصل والترجيح.
  2. (٢) أخرجه الترمذي بهذا السند وبهذا السياق في "الشمائل" (٢٣٠). أما "الجامع" فقد أخرجه فيه (٢٥٩٦) أيضًا بنحوه ولكن بسند آخر: "حدثنا هنَّاد قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش ... ". والمصنف صادر هنا عن "تفسير البغوي" الذي ساق الحديث بالسند المذكور، ولم يسمِّ كتاب الترمذي فظن المصنف أن المقصود هو "الجامع". والحديث أخرجه مسلم (١٩٠)، وإليه عزا المصنف في "طريق الهجرتين" (٢/ ٥٣٩)، و"حادي الأرواح" (٢/ ٧٩٣).
468

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي