الوجه الثامن١: أنَّ ذنبَ العارف بالله تعالى وأمره قد يترتَّب عليه حسناتٌ أكبرُ منه وأكثَرُ، وأعظَمُ نفعًا، وأحبُّ إلى الله من عصمته من ذلك الذَّنب، من ذلٍّ وانكسارٍ وخشيةٍ، وإنابةٍ وندَمٍ، وتدارُكٍ بمراغمة العدوِّ بحسنةٍ أو حسناتٍ أعظمَ منه حتَّى يقولَ الشَّيطانُ: يا ليتني لم أُوقِعْه فيما أوقعتُه فيه، ويندمَ الشَّيطانُ على إيقاعه في الذّنب٢ كندامة فاعله على ارتكابه، لكن شتَّان ما بين النَّدَمين! والله تعالى يحبُّ من عبده مراغمةَ عدوِّه وغيظَه، كما تقدَّم أنَّ هذا من العبوديَّة. فيحصل من العبد بالتَّوبة والتَّدارُكِ وحصولِ محبوب الله تعالى من التّوبة وما يتبعها من زيادة الأعمال= ما يُوجِب جعلَ مكان السّيِّئة حسنةً بل حسناتٍ.
وتأمّل قوله تعالى: ﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾[الفرقان: ٧٠]. ولم يقل: مكانَ كلِّ واحدةٍ واحدةً٣، فهذا يجوز أن يبدِّل السّيِّئةَ الواحدةَ بعدَّة حسناتٍ بحسب حال المبدَّل.
وأمَّا في الحديث، فإنَّ الذي عذِّب على ذنوبه لم يبدِّلها في الدُّنيا بحسناتٍ من التَّوبة النَّصوح وتوابعها، فلم يكن له ما يجعل مكانَ السّيِّئة حسناتٍ، فأُعطِيَ مكانَ كلِّ سيِّئةٍ حسنةً واحدةً. وسكت النَّبيُّ ﷺ عن كبار ذنوبه، ولمَّا انتهى إليها ضحِكَ، ولم يُبيِّن ما يُفعَل بها، وأخبر أنّ الله يبدِّل مكان كلِّ صغيرةٍ حسنةً. ولكن في الحديث إشارةٌ لطيفةٌ إلى أنَّ هذا التَّبديلَ يعُمُّ كبارها وصغارها من وجهين:
(١) ما عدا م: "العاشر".
(٢) "في الذنب" ساقط من ش.
(٣) كلمة "واحدةً" ساقطة من ع.
أحدهما: قوله: "أَخْبِئوا عنه كبارَها". فهذا إشعارٌ بأنّه إذا رأى تبديلَ الصّغائر ذَكرَها وطمِعَ في تبديلها، فيكون تبديلُها أعظمَ موقعًا عنده١، وهو به أشدُّ فرحًا واغتباطًا.
والثّاني: ضَحِكُ النّبيِّ ﷺ عند ذكر ذلك، وهذا الضَّحِكُ مُشْعِرٌ بالتّعجُّب ممّا يُفعَل به من الإحسان، وما يُقِرُّ به على نفسه من الذُّنوب من غير أن يقرَّر عليها ولا سُئل عنها، وإنّما عُرِضت عليه الصّغائر.
فتبارك الله ربُّ العالمين، وأجوَدُ الأجودين، وأكرَمُ الأكرمين، البرُّ اللَّطيفُ، المتودِّدُ إلى عباده بأنواع الإحسان وإيصالِه إليهم من كلِّ طريقٍ بكلِّ نوعٍ، لا إله إلّا هو الرَّحمن الرَّحيم٢.
فصل
وكثيرٌ من النّاس إنّما يفسِّر التّوبةَ بالعزم على أن لا يعاود الذَّنبَ، وبالإقلاع عنه في الحال، وبالنَّدَم عليه في الماضي، وإن كان في حقِّ آدميٍّ فلا بدَّ من أمرٍ رابعٍ، وهو التّحلُّلُ منه.
وهذا الذي ذكروه بعضُ مسمَّى التّوبة بل شطرُها، وإلَّا فالتَّوبةُ في كلام الله ورسوله كما تتضمَّن ذلك، تتضمَّنُ العزمَ على فعل المأمور والتزامه. فلا يكون بمجرَّد الإقلاع والعزم والنّدم تائبًا، حتّى يوجدَ منه العزمُ الجازمُ على فعل المأمور والإتيان به. هذا حقيقة التّوبة، وهي اسمٌ لمجموع الأمرين، لكنَّها إذا قُرنت بفعل المأمور كانت عبارةً عمَّا ذكروه، فإذا أُفردت تضمَّنت
(١) في ع بعده زيادة: "من تبديل الصغائر".
(٢) بإزائه في هامش الأصل: "بلغ مقابلة وقراءة على مصنفه".