العبدُ ــ منوطًا بحصول التَّوبة النَّصوح. و"النَّصوح" على وزن فَعولٍ المعدولِ عن فاعلٍ١ قصدًا للمبالغة كالشَّكور والصَّبور. وأصلُ مادّة (ن ص ح) لخلاص الشَّيء من الغشِّ والشَّوائب الغريبة، وهو ملاقٍ في الاشتقاق الأكبر لـ"نصَحَ" إذا خَلَص. فالنُّصحُ في التّوبة والعبادة والمشورة: تخليصُها من كلِّ غشٍّ ونقصٍ وفسادٍ، وإيقاعُها على أكمل الوجوه. والنُّصح ضدُّ الغشِّ.
وقد اختلفت عبارات السَّلف عنها، ومرجعها إلى شيءٍ واحدٍ. فقال عمر بن الخطَّاب وأبيُّ بن كعبٍ ﵄: التَّوبة النَّصوحُ أن يتوبَ من الذَّنب ثمَّ لا يعودَ إليه، كما لا يعودُ اللَّبنُ إلى الضَّرع٢. وقال الحسن البصريُّ: هي أن يكون العبدُ نادمًا على ما مضى مُجْمِعًا على أن لا يعود فيه. وقال الكلبيُّ: أن يستغفر باللِّسان، ويندم بالقلب، ويمسك بالبدن. وقال سعيد بن المسيِّب: توبةً نصوحًا، تنصحون بها أنفسكم. جعَلَها بمعنى ناصحةٍ للتَّائب، كضَرُوب المعدول عن ضاربٍ. وأصحابُ القول الأوّل يجعلونها بمعنى المفعول، أي قد نصَح فيها التَائبُ ولم يشُبها بغِشٍّ. فهي إمَّا بمعنى منصوحٍ فيها، كركوبةٍ وحلوبةٍ بمعنى مركوبةٍ ومحلوبةٍ، أو بمعنى الفاعل، أي ناصحةٍ كخالصةٍ وصادقةٍ.
وقال محمّد بن كعبٍ القُرَظيُّ ﵀: يجمعها أربعةُ أشياء: الاستغفارُ باللِّسان، والإقلاعُ بالأبدان، وإضمارُ تركِ العَودِ بالجَنان، ومهاجرةُ سيِّء
(١) ع: "الفاعل".
(٢) انظر لهذا القول والأقوال الأخرى: "تفسير البغوي" (٨/ ١٦٩ - ١٧٠) وعنه صدر المؤلف.
الإخوان.
قلت: النُّصحُ في التَّوبة يتضمَّن ثلاثةَ أشياء:
تعميمُ جميع الذُّنوب واستغراقُها بها بحيث لا تدع ذنبًا إلّا تناولته.
والثّاني: إجماعُ العزم والصِّدق بكلِّيّته عليها، بحيث لا يبقى عنده تردُّدٌ ولا تلوُّمٌ ولا انتظارٌ، بل يُجْمِعُ عليها كلَّ إرادته وعزيمته مبادرًا بها.
الثّالث: تخليصُها من الشّوائب والعلل القادحة في إخلاصِها ووقوعِها لمحض الخوف من الله تعالى وخشيته، والرَّغبة فيما لديه، والرَّهبة ممَّا عنده؛ لا كمن يتوب لحفظ جاهه وحرمته ومنصبه ورياسته، أو لحفظ حاله أو حفظ قوّته وماله، أو استدعاءِ حمدِ النّاس، أو الهرَب من ذمِّهم، أو لئلَّا يتسلَّطَ عليه السُّفهاءُ، أو لقضاءِ نَهْمته من الذَّنب، أو لإفلاسه وعجزه، ونحو ذلك من العلل التي تقدح في صحّتها وخلوصها لله١.
فنصحُ التَّوبةِ: الصِّدقُ فيها، والإخلاص، وتعميمُ الذُّنوب بها. ولا ريب أنَّ هذه التَّوبةَ تستلزم الاستغفارَ وتتضمَّنه، وتمحو جميعَ الذُّنوب، وهي أكملُ ما يكون من التَّوبة. والله المستعان، وعليه التُّكلان، ولا حول ولا قوّة إلّا بالله.