تعميمُ جميع الذُّنوب واستغراقُها بها بحيث لا تدع ذنبًا إلّا تناولته.
والثّاني: إجماعُ العزم والصِّدق بكلِّيّته عليها، بحيث لا يبقى عنده تردُّدٌ ولا تلوُّمٌ ولا انتظارٌ، بل يُجْمِعُ عليها كلَّ إرادته وعزيمته مبادرًا بها.
الثّالث: تخليصُها من الشّوائب والعلل القادحة في إخلاصِها ووقوعِها لمحض الخوف من الله تعالى وخشيته، والرَّغبة فيما لديه، والرَّهبة ممَّا عنده؛ لا كمن يتوب لحفظ جاهه وحرمته ومنصبه ورياسته، أو لحفظ حاله أو حفظ قوّته وماله، أو استدعاءِ حمدِ النّاس، أو الهرَب من ذمِّهم، أو لئلَّا يتسلَّطَ عليه السُّفهاءُ، أو لقضاءِ نَهْمته من الذَّنب، أو لإفلاسه وعجزه، ونحو ذلك من العلل التي تقدح في صحّتها وخلوصها لله١.
فنصحُ التَّوبةِ: الصِّدقُ فيها، والإخلاص، وتعميمُ الذُّنوب بها. ولا ريب أنَّ هذه التَّوبةَ تستلزم الاستغفارَ وتتضمَّنه، وتمحو جميعَ الذُّنوب، وهي أكملُ ما يكون من التَّوبة. والله المستعان، وعليه التُّكلان، ولا حول ولا قوّة إلّا بالله.
(١) وانظر ما سبق في (ص ٢٨٦).
(٢) في ع بعده زيادة: "يتعلَّق".
فصل
في الفرق بين تكفير السّيِّئات ومغفرة الذُّنوب
وقد جاء في كتاب الله تعالى ذكرُهما مقترنين، وذكرُ كلِّ واحدٍ منهما مفردًا عن الآخَرَ.
فالمقترنان كقوله تعالى حاكيًا عن عباده المؤمنين: ﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾[آل عمران: ١٩٣].
فهاهنا أربعة أمورٍ٢: ذنوبٌ، وسيِّئاتٌ، ومغفرةٌ، وتكفيرٌ.
فالذُّنوب: المراد بها الكبائر. والمراد بالسّيِّئات: الصّغائر، وما تعمل فيه الكفَّارة من الخطأ وما جرى٣ مجراه. ولهذا جعَل لها التَّكفيرَ، ومنه أُخذت الكفَّارة. ولهذا لم يكن لها سلطانٌ ولا عملٌ في الكبائر في أصحِّ القولين، فلا تعمل في قتل العمد ولا في اليمين الغَموس في ظاهر مذهب أحمد ومذهب أبي حنيفة٤.