مدارج السالكين

فلأهل الذُّنوب ثلاثةُ أنهارٍ عظامٍ يتطهَّرون بها في الدُّنيا، فإن لم تَفِ بطهرهم طُهِّروا في نهر الجحيم يوم القيامة: نهرُ التّوبة النَّصوح، ونهرُ الحسنات المستغرقة للأوزار المحيطة بها، ونهرُ المصائب العظيمة المكفِّرة. فإذا أراد الله بعبد خيرًا أدخله أحدَ هذه الأنهار الثَّلاثة، فورد القيامةَ طيِّبًا طاهرًا، فلم يحتَجْ إلى النَّهر١ الرَّابع.

فصل

وتوبةُ العبد إلى الله تعالى محفوفةٌ بتوبةٍ من الله عليه قبلها، وتوبةٍ منه بعدها، فتوبتُه بين توبتين من الله٢: سابقةٍ ولاحقةٍ، فإنّه تاب عليه أوّلًا إذنًا وتوفيقًا وإلهامًا، فتاب العبدُ، فتاب اللهُ عليه ثانيًا قبولًا وإثابةً٣. قال تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ تَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ٤ رَحِيمٌ ١١٧ وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١١٧ - ١١٨]. فأخبر سبحانه أنّ توبتَه عليهم سبقت توبتَهم، وأنَّها هي التي جعلتهم تائبين، فكانت سببًا ومقتضيًا لتوبتهم. فدلَّ على أنّهم ما تابوا حتَّى تاب عليهم، والحكمُ ينتفي لانتفاء علّته.

  1. (١) ع: "التطهير".
  2. (٢) ع: "من ربه".
  3. (٣) ع: "إنابة"، تصحيف.
  4. (٤) "تزيغ" و"رؤُفٌ" على قراءة أبي عمرو كما سبق.
481

ونظيرُ هذا: هدايتُه لعبده قبل الاهتداء، فيهتدي بهدايته، فتوجب له تلك الهدايةُ هدايةً أخرى يُثيبه١ الله بها على هدايته، فإنَّ من ثواب الهدى الهدى بعده، كما أنَّ من عقوبة الضَّلالةِ الضَّلالةَ بعدها. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ [محمد: ١٧] فهداهم أولًا فاهتدوا، فزادهم هدًى ثانيًا. وعكسُه في أهل الزّيغ كقوله: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥] فهذه الإزاغةُ الثَّانيةُ عقوبةٌ٢ على زيغهم.

وهذا القدرُ من سرِّ اسمه الأوّل الآخر٣، فهو المُعِدُّ وهو المُمِدُّ، ومنه السَّببُ والمسبَّبُ، وهو الذي يعيذ من نفسه بنفسه، ويُجير من نفسه بنفسه، كما قال أعرفُ الخلق به: "وأعوذ بك منك"٤. والعبد توّابٌ، والله توّابٌ. فتوبةُ العبد رجوعُه إلى سيِّده بعد الإباق، وتوبةُ الرَّبِّ٥ نوعان: إذنٌ وتوفيقٌ، وقبولٌ واعتداد٦.

فصل

والتّوبةُ لها مبدأٌ ومنتهًى. فمبدؤها: الرُّجوعُ إلى الله بسلوك صراطه المستقيم الذي نصَبه لعباده موصلًا إلى رضوانه، وأمرَهم بسلوكه بقوله:

  1. (١) ما عدا ش، ع: "يثبِّته"، تصحيف.
  2. (٢) بعده في ش زيادة: "لهم".
  3. (٣) ع: "الأول والآخر".
  4. (٤) تقدَّم تخريجه.
  5. (٥) ع: "وتوبة الله".
  6. (٦) ش: "اغتفار"، وفي الطبعات القديمة: "إمداد"، والصواب ما أثبت من النسخ.
482

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي