ونظيرُ هذا: هدايتُه لعبده قبل الاهتداء، فيهتدي بهدايته، فتوجب له تلك الهدايةُ هدايةً أخرى يُثيبه١ الله بها على هدايته، فإنَّ من ثواب الهدى الهدى بعده، كما أنَّ من عقوبة الضَّلالةِ الضَّلالةَ بعدها. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾[محمد: ١٧] فهداهم أولًا فاهتدوا، فزادهم هدًى ثانيًا. وعكسُه في أهل الزّيغ كقوله: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾[الصف: ٥] فهذه الإزاغةُ الثَّانيةُ عقوبةٌ٢ على زيغهم.
وهذا القدرُ من سرِّ اسمه الأوّل الآخر٣، فهو المُعِدُّ وهو المُمِدُّ، ومنه السَّببُ والمسبَّبُ، وهو الذي يعيذ من نفسه بنفسه، ويُجير من نفسه بنفسه، كما قال أعرفُ الخلق به: "وأعوذ بك منك"٤. والعبد توّابٌ، والله توّابٌ. فتوبةُ العبد رجوعُه إلى سيِّده بعد الإباق، وتوبةُ الرَّبِّ٥ نوعان: إذنٌ وتوفيقٌ، وقبولٌ واعتداد٦.
فصل
والتّوبةُ لها مبدأٌ ومنتهًى. فمبدؤها: الرُّجوعُ إلى الله بسلوك صراطه المستقيم الذي نصَبه لعباده موصلًا إلى رضوانه، وأمرَهم بسلوكه بقوله:
(١) ما عدا ش، ع: "يثبِّته"، تصحيف.
(٢) بعده في ش زيادة: "لهم".
(٣) ع: "الأول والآخر".
(٤) تقدَّم تخريجه.
(٥) ع: "وتوبة الله".
(٦) ش: "اغتفار"، وفي الطبعات القديمة: "إمداد"، والصواب ما أثبت من النسخ.
ونهايتُها: الرُّجوعُ إليه في المعاد، وسلوكُ صراطه الذي نصبَه موصلًا إلى جنَّته. فمن رجَع إلى الله في هذه الدَّار بالتَّوبة رجَع إليه في المعاد بالثَّواب.
وهذا أحد التّأويلات في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾[الفرقان: ٧١]. قال البغويُّ١ وغيره: ﴿يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾: يعود إليه بعد الموت متابًا حسنًا يفضُل على غيره. فالتَّوبةُ٢ الأولى ــ وهي قوله: ومن تاب ــ رجوعٌ عن الشِّرك، والثّانية: رجوعٌ إلى الله تعالى للجزاء والمكافأة.
والتّأويل الثّاني: أنَّ الجزاء متضمِّنٌ٣ معنى الأمر، والمعنى: ومن عزم على التَّوبة وأرادها، فليجعل توبته إلى الله، ولوجهه خالصًا، لا لغيره.
التّأويل الثّالث: أنَّ المرادَ لازمُ هذا المعنى، وهو إشعارُه وإعلامُه بمن تاب إليه ورجع إليه. والمعنى: فَلْيعلَمْ توبتَه إلى من؟ ورجوعَه إلى من؟ فإنَّها إلى الله، لا إلى غيره.
(١) في "التفسير" (٦/ ٩٧ - ٩٨)، وقد ذكر التأويلات الثلاثة الأولى.
(٢) ق: "بالتوبة"، والمثبت من غيرها موافق لما في "تفسير البغوي".